ثم قال عز وجل :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ
، أي إقراركم
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
، أي بأن لا تسفكوا دماءكم ، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض ،
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ
، أي لا يخرج بعضكم بعضا
مِنْ دِيارِكُمْ
. فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق ألا يعبدوا إلا اللّه وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، ويقولوا للناس حسنا ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأن يفادوا أسراهم . فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى :
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ
على وجه التقديم والتأخير .
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
، يعني بني قريظة والنضير ، يعني أقررتم بهذا كله ، وأنتم تشهدون أن هذا في التوراة ، فنقضوا العهد فعيّرهم اللّه تعالى بذلك حيث قال تعالى :
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
، يعني يا هؤلاء ويقال معناه ، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضا ،
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ
، أي بعضكم بعضا ، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة : إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس ، والأخرى كانت معينة للخزرج ، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم . وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل ، لأن اللّه تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى :
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ
.
تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ
، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف ، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون ، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه ، معناه : تتعاونون عليهم
بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
، يعني بالمعصية والظلم . قال الزجاج : العدوان هو الإفراط في الظلم .
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ
، قرأ عاصم والكسائي ونافع
أُسارى تُفادُوهُمْ
كلاهما بالألف ، وقرأ حمزة أسرى تفادوهم بغير ألف فيهما ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر
أُسارى تُفادُوهُمْ
الأول بالألف والثاني بغير ألف . وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى .
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ
هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج ، فكأنه يقول : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم وهو محرم عليكم إخراجهم ، يعني ذلك الإخراج كان محرما ، ثم بيّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام ، فقال وهو محرم عليكم إخراجهم .
ثم قال :
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم