وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
، قرأ ابن عباس
غُلْفٌ
بضم اللام وهي قراءة شاذة . والباقون بسكون اللام ، أي ذو ( غلف ) يعني ذو غلاف ، والواحد أغلف مثل : أحمر وحمر . ومعناه :
أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك . وهذا كما قال في آية أخرى
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
[ فصلت : 5 ] . وأما من قرأ
غُلْفٌ
فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر . يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك ، فلو كنت نبيا لفهمنا قولك . قال اللّه تعالى ردا لقولهم :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
أي خذلهم اللّه وطردهم مجازاة لكفرهم .
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
، صار نصبا لأنه قدم المفعول . وقال بعضهم : معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم ، مثل عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وقال بعضهم : إيمانهم باللّه قليلا ، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض . وقال بعضهم : معناه أنهم لا يؤمنون ، كما قال : فلان قليل الخير يعني لا خير فيه .
ثم قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي حين جاءهم القرآن
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
، أي موافقا للتوراة في التوحيد ، وفي بعض الشرائع . ويقال : مصدق لما معهم ، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم ، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة .
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
، أي من قبل مجيء محمد صلى اللّه عليه وسلم كانوا يستنصرون على المشركين ، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة ، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه . وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين - مشركي العرب - يستفتحون عليهم ، أي يستنصرون ويقولون : اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا - وكانوا يرجون أن يكون منهم - فينصروا على عدوهم ، فذلك قوله تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
، أي باسم النبي صلى اللّه عليه وسلم
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا
، أي محمد صلى اللّه عليه وسلم وعرفوه
كَفَرُوا بِهِ
وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا .
كما قال تعالى :
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
، أي سخط اللّه وعذابه على الجاحدين محمدا صلى اللّه عليه وسلم
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
. قال الكلبي : بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ويقال : بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل اللّه عليهم ، بعد ما كانوا