تعالى قد علم الأشياء قبل كونها . قيل له : التعجب من اللّه تعالى يكون على وجه التعجيب ، والتعجيب هو أن يدعو إلى التعجب فكأنه يقول : ألا تتعجبون أنهم يكفرون باللّه ؟ ! وهذا كما قال في آية أخرى
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
[ الرعد : 5 ] .
ثم قال :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
، أي كنتم نطفة في أصلاب آبائكم فأحياكم في أرحام أمهاتكم
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند انقطاع آجالكم ،
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
للبعث يوم القيامة ،
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
في الآخرة فتثابون بأعمالكم . قال الكلبي : فلما ذكر البعث عرف اليهود فسكتوا وأنكر ذلك المشركون فقالوا : ومن يستطيع أن يحيينا بعد الموت ؟ فنزل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] . فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لليهود وهم لم يكفروا باللّه تعالى ؟ فالجواب ما سبق ذكره : أنهم لما أنكروا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أنكروا وحدانية اللّه تعالى لأنهم أخبروا أن القرآن قول البشر .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )
قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
، أي قدّر خلقها لأن الأشياء كلها لم تخلق في ذلك الوقت ، لأن الدواب وغيرها من الثمار التي في الأرض تخلق وقتا بعد وقت ، ولكن معناه قدّر خلق الأشياء التي في الأرض .
وقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
هذه الآية من المشكلات ؛ والناس في هذه الآية وما شاكلها على ثلاثة أوجه : قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وهذا كما روي عن مالك بن أنس - رحمه اللّه - أن رجلا سأله عن قوله :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، فقال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا فأخرجوه فطردوه ، فإذا هو جهم بن صفوان . وقال بعضهم :
نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة . وللتأويل في هذه الآية وجهان : أحدهما :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
، أي صعد أمره إلى السماء ، وهو قوله : ( كن فكان ) ، وتأويل آخر وهو قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي أقبل إلى خلق السماء . فإن قيل :
قد قال في آية أخرى
أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 )
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 )
[ النازعات : 27 ، 28 ، 30 ] فذكر في تلك الآية أن الأرض خلقت بعد السماء ، وذكر في هذه الآية أن الأرض خلقت قبل السماء . الجواب عن هذا أن يقال : خلق الأرض قبل السماء وهي ربوة حمراء في موضع الكعبة ، فلما خلق السماء بسط الأرض بعد خلق السماء فذلك قوله تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
أي بسطها .