بذكر البعوضة وبما فوقها . ويقال : لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل ويبيّن ويصف للحق شبها
ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
، يعني بالذباب والعنكبوت . وقال بعضهم : فما فوقها أي بما دونها في الصغر ، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق ، ويراد به دونه ، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله :
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
[ الإنسان : 27 ] أي أمامهم ، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه ، أي يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها ، بعد أن يكون فيه إظهار الحق ، وإرشاد إلى الهدى ، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة ، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه . ويقال : إنما ذكر المثل بالبعوضة ، لأن خلقة البعوضة أعجب ، لأن خلقتها خلقة الفيل . ويقال : لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت ، فكذلك الآدمي إذا استغنى ، فإنه يطغى . فضرب اللّه المثل للآدمي .
ثم قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
، أي صدقوا وأقروا بتوحيد اللّه تعالى :
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
، يعني المثل بالذباب والعنكبوت ، فيؤمنون به .
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
، يعني اليهود والمشركين
فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
، أي بذكر البعوضة والذباب . قال اللّه تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
، أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيرا من الناس ، يعني يخذلهم ولا يوفقهم
وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيرا من الناس وهم المؤمنون . وقال بعضهم : معنى قوله
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسّقت فلانا ، أي سميته فاسقا ، لأن اللّه تعالى لا يضل به أحدا ، وهذا طريق المعتزلة ، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين ، وهو غير مستعمل في اللغة أيضا ، لأنه يقال : ضلّله إذا سمّاه ضالا ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم .
ثم قال تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
أي وما يهلك به وأصل الضلالة الهلاك .
يقال : ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكا . وما يهلك ، وما يخذل به ، يعني بالمثل إلا الفاسقين ، وأصل الفسق في اللغة هو : الخروج عن الطاعة ؛ والعرب تقول : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال للفأرة : فويسقة ، لأنها تخرج من الحجر وقال اللّه تعالى
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[ الكهف : 50 ] أي خرج عن طاعة ربه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 27 ]
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 )
ثم نعت الفاسقين فقال تعالى :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
، أي يتركون أمر اللّه ووصيته من بعد ميثاقه ، أي من بعد تغليظه وتأكيده ، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى في