فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ، وقال لهم : لتبيننه للناس ولا تكتمونه . ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى :
فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
أي طرحوه خلف ظهورهم ، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به
وَاشْتَرَوْا بِهِ
أي بكتمان نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم وصفته
ثَمَناً قَلِيلًا
أي عرضا يسيرا من متاع الدنيا
فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
يعني : بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة
لا تَحْسَبَنَّ
يقول : لا تظنن يا محمد
الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا
يقول : يعجبون بما أوتوا ، يعني بما غيروا من نعته وصفته ، وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك :
إنا نجد في كتابنا أن اللّه يبعث نبيا في آخر الزمان يختم به النبوة ، فلما بعثه اللّه سألهم الملوك :
أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم ؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك : هو غير هذا .
فأعطاهم الملوك مالا فقال اللّه تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا
أي بما أعطاهم الملوك
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه . ويقال : كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ، ويريدون أن يحمدوا بذلك . قال اللّه تعالى :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
يقول فلا تظنهم
بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي دائم لا يخرجون منه أبدا .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي خزائن السماوات المطر ، وخزائن الأرض النبات .
ويقال : جميع من في السماوات والأرض عبيده وفي ملكه
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
من النبات وغيره . ويقال : هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه ، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شيء قدير
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وذلك أن أهل مكة سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيهم بآية لصحة دعواه ، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده ، فنزل
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي خلقين عظيمين . ويقال : فيما خلق في السماوات من الشمس والقمر والنجوم ، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
يقول : وذهاب الليل ومجيء النهار ، ويقال اختلاف لونيهما
لَآياتٍ
أي لعبرات
لِأُولِي الْأَلْبابِ
أي لذوي العقول
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً
أي يصلون للّه قياما إن استطاعوا على القيام ، وقعودا إن لم يستطيعوا القيام
وَعَلى جُنُوبِهِمْ
إن لم يستطيعوا القعود لزمانة .
ويقال : معناه الذين يذكرون اللّه في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع ، كما قال في آية أخرى :
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
[ الأحزاب : 41 ] ثم قال :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي يعتبرون في خلقهما . قال : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا السراج ، قال :
حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا ابن زرارة الحلبي ، عن أبي حباب ، عن عطاء بن أبي رباح قال :
دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة ، فسلمنا عليها فقالت : من هؤلاء ؟ فقلت :
عبد اللّه بن عمر ، وعبيد بن عمير . فقالت : مرحبا بك يا عبيد بن عمير ، ما لك لا تزورنا ؟