تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
فقلت له : هذا سعادة للسّلطان ولك ولي . قال : وكيف ؟ قلت : هذا ملك واسع الدّائرة لا يقدر أن يقيم بالشام ، وغرضه القهر والاستيلاء ، وسلطاننا فيه ملق وحسن تودّد ومداراة ، فإذا قرب لاطفه وأتحفه ، فإذا استولى على ممالك الشام لم يجد من يستنيبه عليه سواه . قال : وكيف عرفت هذا ؟ قلت : من التّجّار . فلمّا أصبح قصّ عليه ما جرى فسرّي عنه ، وأمر أن يحقّق ذلك ، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي ، وحادثة ، فزعم أنّه حاضره وبايعه ، وذكر من أحواله أنّه يبقى أربعة أيام أو نحوها على ظهر فرسه ولا ينزل ، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس ، ويتضمّر ، ويطوي البلاد . وأنّه ربّما أتى البلد الّذي يقصده في نفر يسير فيهجمه ثم يصبّحه من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفا ، وفي كثير من الأوقات يأتي المدد ، وقد قضى الحاجة بنفسه . وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرا وقد قضيت الحاجة أولا . وربما هجم البلد في نفر دون المائة فيقضي حاجته . وربما قتل ملك ذلك البلد أو أسره ثم تتدفق جموعه . وقال : إن سرجه ولجامه لا تبلغ قيمتها دانقا ، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين . وحكى أنّه في بعض غاراته نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسا ، فأمرهم بالهجعة ، وأخذ خيلهم يسيّرها بعد ما استقى من بئر وسقى الجميع ، فلما علم أنّهم قد أخذوا من النّوم بنصيب أيقظ بعضهم وأمرهم بالحراسة ، ثم هجع يسيرا ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا على المدينة ، وقتل ملكها . وسألني الوزير عنه مرّة أخرى ، فقلت : لا يمكنه أن يدخل الشام ، لأنّه إن أتى بجمع قليل لم ينل غرضا مع شجاعة أهل الشام والفلّاحون يكفونه ، وإن أتى بجمع كثير لم تحمله الشام ، لأنّ خيلهم تأكل الحشيش ، ولا حشيش بالشام ، وأمّا الشّعير ففي كلّ مدينة كفاية دوابّها . ثمّ أخذت أحسب معه ما في حلب من الدوّابّ فبلغت مع التّكثير خمسين ألفا ، فإذا ورد سبعمائة ألف فرس ، أخذوا عليق شهر في يوم أو يومين ، ثمّ إنهم ليس لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة . وأخذهم البلاد إنّما هو بالرّعب والهيبة لا بالعدل والمحبة ، وهذه الحال لا تنفع مع شجاعة أهل الشام . وعقيب موت الملك الظّاهر غازي ، وصل رسوله إلى حلب ، فاحتفل