تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
قال : وكان يفتح عليه من الأدعية شيء ما سمعته من غيره قطّ ، وجرى بيننا ذكر إجابة الدّعاء ، فقال : ما رأيت مثل هذا الدّعاء ، أو قال : أسرع إجابة : « يا اللَّه يا اللَّه أنت اللَّه ، بلى ، واللَّه أنت ، لا إله إلّا أنت ، اللَّه اللَّه اللَّه اللَّه إنّه لا إله إلّا اللَّه » . ومن دعائه المشهور : « اللَّهمّ اغفر لأقسانا قلبا ، وأكبرنا ذنبا ، وأثقلنا ظهرا ، وأعظمنا جرما ، وأقلّنا حياء منك ، ووفاء بعهدك ، وأكثرنا تخليطا وتفريطا ، وتقصيرا ، وتعثيرا ، وتسويفا ، وطول أمل مع قرب أجل ، وسوء عمل » . وكان يدعو : « يا دليل الحيارى دلّنا على طريق الصّادقين ، واجعلنا من عبادك الصّالحين ، واجذبنا إليك جذبة حتّى نموت عليها ، وأصلح ما بيننا وبينك ، ولا تمقتنا ، وإن كنت مقتّنا ، فاغفر لنا ، ولا تسقطنا من عينك ، يا كريم » . ومن ورعه ، كان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازا كثيرا . وسمعت عن بعض الشّافعيّة أنّه كان يتعجّب من فتاويه ومن كثرة احترازه فيها . وكان إذا أخذ من لحيته شعرة ، أو بري قلما ، احتفظ بذلك ، ولا يدعه في المسجد ويخرجه . سمعت أبا محمد بن عبد الرّزّاق بن هبة اللَّه قال : سمعت الشيخ عبد اللَّه البطائحيّ يقول : أشكلت علي مسألة في الورع ، فما وجدت من أفتاني فيها إلّا العماد . وقيل : إنّه كان إذا دخل الخلاء فنسي أن يسمّي ، خرج فسمّى ثمّ دخل . وأمّا زهده ، فما أعلم أنّه قطّ أدخل نفسه في شيء من أمر الدّنيا ، ولا تعرّض لها ، ولا نافس فيها . وقد كان يفتح لأصحابنا بعض الأوقات بشيء فما أعلم أنّه حضر يوما قطّ عندهم في شيء من ذلك ، وما علمت أنّه دخل إلى عند سلطان ولا وال ، ولا تعرّف بأحد منهم ، ولا كانت له رغبة في ذلك . وكان قويّا في أمر اللَّه ، ضعيفا في بدنه ، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم . وسمعته يقول لرجل : كيف ولدك ؟ قال : يقبّل يدك . فقال : لا تكذب ! وكان كثير الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر . لا يرى أحدا يسيء صلاته إلّا قال له وعلّمه . وبلغني أنّه خرج مرّة إلى فسّاق ، فكسر ما معهم ، فضربوه ، ونالوا منه ، حتّى غشي عليه ، فأراد الوالي ضربهم ، فقال : إن تابوا ولزموا الصّلاة فلا تؤذهم ، وهم في حلّ . فتابوا ، ورجعوا عمّا كانوا عليه .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 186 | الذهبي