تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
العشاء الآخرة ، فإذا صلّى العشاء نام إلى نصف اللّيل أو بعده . ثمّ قام فتوضّأ وصلّى لحظة ، ثمّ توضّأ ، ثمّ صلّى كذلك ، ثمّ توضّأ وصلّى إلى قرب الفجر ، وربّما توضّأ في اللّيل سبع مرّات أو أكثر . فقيل له في ذلك فقال : ما تطيب لي الصّلاة إلّا ما دامت أعضائي رطبة . ثمّ ينام نومة يسيرة إلى الفجر . وهذا دابه . وكان لا يكاد يصلّي فريضتين بوضوء واحد . سألت خالي الإمام موفّق الدّين عن الحافظ فقال وكتب بخطّه : كان رفيقي في الصّبى وفي طلب العلم ، وما كنّا نستبق إلى خير إلّا سبقني إليه إلّا القليل . وكمّل اللَّه فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة ، وعداوتهم له ، وقيامهم عليه . ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة ، إلّا أنّه لم يعمّر حتّى يبتغ غرضه في روايتها ونشرها . قال الضّياء : وكان يستعمل السّواك كثيرا ، حتّى كأنّ أسنانه البرد . سمعت محمود بن سلّامة الحرّانيّ التّاجر غير مرّة يقول : كان الحافظ عبد الغنيّ نازلا عندي بأصبهان ، وما كان ينام من اللّيل إلّا قليلا ، بل يصلّي ويقرأ ويبكي ، حتّى ربّما منعنا النّوم إلى السّحر . أو ما هذا معناه . وكان الحافظ لا يرى منكرا إلّا غيّره بيده أو بلسانه . وكان لا تأخذه في اللَّه لومة لائم . رأيته مرّة يريق خمرا ، فجبذ صاحبه السّيف ، فلم يخف ، وأخذه من يده . وكان قويّا في بدنه . وكثيرا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطّنابير والشّبّابات . قال لنا خالي الموفّق : كان لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه . سمعت فضائل بن محمد بن عليّ بن سرور المقدسيّ قال : سمعتهم يتحدّثون بمصر أنّ الحافظ كان قد دخل على الملك العادل ، فلمّا رآه قام له . فلمّا كان اليوم الثّاني إذا الأمراء قد جاءوا إلى الحافظ إلى مصر ، مثل سركس ، وأزكش ، فقالوا : آمنّا بكرامتك يا حافظ . وذكروا أنّ العادل قال : ما خفت من أحد ما خفت من هذا الرجل .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 449 | الذهبي