وقلما تكون النطفة غير ممتزجة ولا مختلطة من مواد مختلفة .
ومن الواضح المقرر في موضعه ( 1 ) : أنه كلما اختلفت المادة اللائقة
المستعدة لقبول الفيض من مبدئه اختلفت العطية والإفاضة حسب
اختلافاتها ، فإنه - تعالى - واجب الوجود بالذات ومن جميع الجهات ، فهو
واجب الإفاضة والإيجاد ، لكن المادة الصلبة الكثيفة لا تقبل الفيض والعطية إلا
بمقدار سعة وجودها واستعدادها . ألا ترى أن الجليدية ( 2 ) تقبل من نور غيب
النفس ما لا يقبله الجلد الضخم والعظم ، فالنفس المفاضة على المادة اللطيفة
النورانية ألطف وأصفى وأليق لقبول الكمال من النفس المفاضة على المادة
المقابلة لها .
وهذا - أي اختلاف النطف - أحد موجبات اختلاف النفوس والأرواح ،
وهاهنا موجبات كثيرة أخرى لاختلاف المواد في قبول الفيض ، ولاختلاف
الأرواح [ في درجات ] الكمال ، بل إلى الوصول إلى الغاية والخروج من الأبدان :
منها : اختلاف الأصلاب في الشموخ والنورانية والكمال ومقابلاتها
والتوسط بينهما ، وهذا أيضا باب واسع ، وموجب لاختلافات كثيرة ربما لا تحصى .
ومنها : اختلاف الأرحام كذلك ، وهذا أيضا من الموجبات الواضحة .
وبالجملة : الوراثة الروحية شئ مشاهد معلوم بالضرورة .
هامش
( 1 ) الأسفار 1 : 394 ، 2 : 353 - 354 ، 7 : 76 - 77 .
( 2 ) الجليدية : وهي إحدى الرطوبات الثلاثة الموجودة في العين الباصرة ، وعرفوها بأنها رطوبة
صافية كالبرد والجليد مستديرة ينقص من تفرطحها من قدامها استدارتها . طبيعيات
الشفاء 3 : 256 .