الحكماء يقول على وفاق قولهم : من عجز عن معرفة نفسه ، فأخلق به أن يعجز عن معرفة خالقه . وكيف يرى الموثوق به في علم شيء من الأشياء بعد ما جهل نفسه .
ورأيت كتاب اللّه تعالى يشير إلى مصداق هذا بقوله عز وجل في ذكره البعداء عن رحمته من الضالين :
« نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ »
. أليس تعليقه نسيان النفس بنسيانه تنبيها على تقرينه تذكره بتذكرها ، ومعرفته بمعرفتها .
وقرأت في كتب الأوائل أنهم كلّفوا الخوض في معرفة النفس بوحي هبط عليهم ببعض الهياكل الإلهية يقول : « اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك » . وقرأت أن هذه الكلمة كانت مكتوبة في محراب هيكل أسقلبيوس ، وهو معروف عندهم في الأنبياء ، واشتهر من معجزاته أنه كان يشفى المريض بصريح الدعاء ، وكذلك كل من تكهن بهيكله من الرهابين ، ومنه أخذت الفلاسفة علم الطب .
فرأيت أن أعمل للأمير كتابا في النفس على سنة الاختصار .
وأنا أسأل اللّه تعالى أن يطيل بقاءه ، ويصون عن العين حوباءه ، وينعش به الحكمة بعد ذبولها ، وينضرها بعد خمولها ، ويجدد دولتها بدولته ، ويؤيد أيامها بأيامه ، ليعم بمكانه النفع بمكان أهلها ، ويغزر عدد طالبى فضلها ؛ وما توفيقي إلا باللّه ، وهو حسبي ونعم المعين .
وجعلت الكتاب فصولا عشرة :
الفصل الأول : في إثبات القوى النفسانية التي شرعت في تفصيلها وإيضاحها .
الفصل الثاني : في تقسيم القوى النفسانية الأولى ، وتحديد النفس على الإطلاق .
الفصل الثالث : في أنه ليس شيء من القوى النفسانية حادثا عن امتزاج العناصر الأربعة ، بل وارد عليها من خارج .
الفصل الرابع : في تفصيل القول في القوى النباتية ، وذكر الحاجة إلى كل واحدة منها .