تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب ) — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
وأجازوا النظر في اختلاف أهل مصر ، وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكا من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفة منهم ، ولم يبيحوا النظر في كتب من خالف مالكا إلى دليل يبينه ، ووجه يقيمه لقوله وقول مالك ، جهلا فيهم وقلة نصح ، وخوفا من أن يطلع الطالب على ما هم فيه من النقص والقصر والقصر فيزهد فيهم ، وهم مع ما وصفنا يعيبون من خالفهم ويغتابونه ، ويتجاوزون القصد في ذمه ، ليوهموا السامع لهم أنهم على حق ، وإنهم أولى باسم العلم ، وهم
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
، وإن أشبه الأمور بما هم عليه ما قاله منصور الفقيه رحمه اللّه :
خالفوني وأنكروا ما أقول * قلت لا تعجلوا فإني مسؤول ما تقولون في الكتاب ؟ فقالوا * هو نور على الصواب دليل وكذا سنة الرسول وقد أفلح * من قال ما يقول الرسول واتفاق الجميع أصل وما * ينكر هذا وذا وذاك العقول وكذا الحكم بالقياس فقلنا * من جميل الرجال يأتي الجميل فتعالوا نرد من كل قول * ما نفي الأصل أو نفته الأصول فأجابوا فنوظروا فإذا * العلم لديهم هو اليسير القليل
فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها ، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونا له وعلى اجتهاده ، ومفتاحا لطرائق النظر ، وتفسير الجمل المحملة للمعاني ، ولم يقلد أحدا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر ، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها ، واقتدائهم في البحث والتفهم والنظر ، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوا ونبهوا عليه ، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرءوا أنفسهم منه فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح ، وهو المصيب لحظة ، والمعاين لرشده ، والمتبع سنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم وهدي صحابته - رضي اللّه عنهم - وعمن اتبع بإحسان آثارهم ، ومن أعفى نفسه من النظر ، وأضرب عما ذكرنا ، وعارض السنن برأيه ، ورام أن يردّها إلى مبلغ
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب ) — صفحة 461 | مسعد عبد الحميد محمد السعدني / يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )