للعلماء في تأويله ، ولا وقفوا على أحكامه ، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه ، قد أطرحوا علم السنن والآثار ، وقفوا على أحكامه ، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه ، قد أطرحوا علم السنن والآثار ، وزهدوا فيه ، وأضربوا عنها ، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف ، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف ، بل عوّلوا على حفظ ما دوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان ، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم من الفتوى فيه ، ويودون أن حظهم السلامة منه ، ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له المراتب في الدين بجهلهم بأصوله ، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم ، فلذلك اعتدموا على ما قد كفاهم الجواب غيرهم ، فهم يقيسون على ما حفظوا من تلك المسائل ، ويفرضون الأحكام فيها ، ويستدلون منها ، ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة ، فجعلوا ما يحتاج أن يستدل عليه دليلا على غيره ، ولو علموا أصول الدين وطرق الأحكام ، وحفظوا السنن كان ذلك قوة لهم على ما ينزل بهم ، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوه ، وعادوا أصحابه ، فهم يفرطون في انتقاص الطائفة الأولى وتجهيلهم وعيبهم ، وتلك تعيب هذه بضروب من العيب ، وكلهم يتجاوز الحد في الذم ، وعند كل واحد من الطائفتين خير كثير وعلم كبير ، أما أولئك فكالخزان الصيدلانيين وهؤلاء في جهل معاني ما حملوه مثلهم ، إلا أنهم كالمعالجين بأيديهم لعلل لا يقفون أقرب إلى السلامة في العاجل والآجل ، وهؤلاء أكثر فائدة في العاجل وأكبر عذلا في الآجل ، وإلى اللّه تعالى نفزع في التوفيق لما يقرب من رضاه ويوجب السلامة من سخطه ، فإنما تنال ذلك برحمته وفضله .
واعلم يا أخي أن المفرط في حفظ المولدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها ، وأن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها لصغر من العلم ، وكلاهما قانع بالشم من الطعام ، ومن اللّه التوفيق والحرمان ، وهو حسبي وبه أعتصم .
واعلم يا أخي أن الفروع لا حد لها تنتهي إليه أبدا فلذلك تشعبت ، فلذلك من رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له ولا بغيره إليه ، لأنه لا يزال يرد عليه ما لم يسمع ، ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره لكثرته فيحتاج إلى أن يرجع إلى الاستنباط الذي كان يفزع منه
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب ) — صفحة 459
مساهمون: مسعد عبد الحميد محمد السعدني
ص٤٥٩