تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الشرع وشرعها الأشواق والإرادات التي تجري عند ارتفاعها وتعلقها بالعالم العلوي بقوة رياح النفحات الإلهية سفينة الشريعة والطريقة براكبها إلى مقصد الكمال الحقيقي الذي هو الفناء في اللّه ، ولهذا قال عقيبه :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
أي : كل من على الجواري السائرة واصل إلى الحق بالفناء فيه ، أو كل من على أرض الجسد من الأعيان المفصلة كالروح والعقل والقلب والنفس ومنازلها ومقاماتها ومراتبها ، فان عند الوصول إلى المقصود
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
الباقي بعد فناء الخلق ، أي : ذاته مع جميع صفاته
ذُو الْجَلالِ
أي : العظمة والعلوّ بالاحتجاب بالحجب النورانية والظلمانية والظهور بصفة القهر والسلطنة
وَالْإِكْرامِ
بالقرب والدنو في صور تجليات الصفات وعند ظهور الذات بصفة اللطف والرحمة . [ 29 - 32 ]

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 29 إلى 32 ]

يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 )
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
من أهل الملكوت والجبروت
وَالْأَرْضِ
من الجنّ والأنس ، والمراد : يسأله كل شيء فغلب العقلاء وأتى بلفظ من أي كل شيء يسأله بلسان الاستعداد والافتقار دائما .
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
بإفاضة ما يناسب كل استعداد ويستحقه فله كل وقت في كل خلق شأن بإفاضة ما يستحقه ويستأهله باستعداده ، فمن استعدّ بالتصفية والتزكية للكمالات الخيرية والأنوار يفيضها عليه مع حصول الاستعداد ، ومن استعدّ بتكدير جوهر نفسه بالهيئات المظلمة والرذائل ولوث العقائد الفاسدة والخبائث للشرور والمكاره وأنواع الآلام والمصائب والعذاب والوبال يفيضها عليه مع حصول الاستعداد . وهذا معنى قوله :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
لأنه تهديد وزجر عن الأمور التي بها يستحق العقاب ، وسميا ثقلين لكونهما سفليين مائلين إلى أرض الجسم . [ 33 - 34 ]

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 )
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
أي : الباطنيين والظاهريين
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
بالتجرّد عن الهيئات الجسمانية والتعلقات البدنية
فَانْفُذُوا
لتنخرطوا في سلك النفوس الملكية والأرواح الجبروتية ، وتصلوا إلى الحضرة الإلهية
لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
بحجة بينة هي التوحيد والتجريد والتفريد بالعلم والعمل والفناء في اللّه . [ 35 - 36 ]

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 35 إلى 36 ]

يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 )