وبالجملة لمّا كانت النفس قطرة من قطرات سحائب رحمته ، ورشحة من رشحات بحار رأفته يكون لامحةً بحراً لُجّيّاً ( 1 ) لا ساحل لها ، فإذا احيلت تلك المعرفة الوجوبيّة الربوبيّة على معرفة جوهر نفسها فيتحيّر فيها بتراكم أمواج الفكرة وتلاطم أمواجها ، و من هنا قيل : النفس بحرٌ لا ساحل له ، فأحالهم في المعرفة عليهم ، فلمّا دخلوا بحر معرفتهم غرقوا ، و ما برحوا يقاسون أمواج البحر فكرةً وكشفاً إلى أن عرفوا أنّ معرفتهم بهم بحر لا ساحل له ينتهى إليه فينقلهم إلى معرفة الربوبيّه فيئسوا ، وبهذا نطق كلام اللَّه الناطق : « لا احصي ثناءًا عليك ، أنت كما أثنيتَ على نفسك » ( 2 ) ، فقد استبان أنّ ذاتك على ذاتك لا يكون مسلكاً ودليلًا ،
( 3 ) ، و « زدني فيك تحيّراً » ( 4 ) لنرى ( 5 ) آياتك الكبرى إنّك على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير . و من تضاعيف الكلام ظهر اندفاع الإيراد بأنّه إذا لم يكن بين الرب والمربوب والرازق والمرزوق مناسبة رأساً / 10 / فكيف يحكم الحاكم بالقسط بقوله : من عرف نفسه عرف ربّه .