الشرح
بناء على ما ذهب إليه المشهور من أنه إذا تعارض دليلان تعارضاً مستقرّاً لابدّ من تساقطهما ، يأتي السؤال : هل يمكن نفي الحكم الثالث المخالف مع مفاد كلا الدليلين المتعارضين فيما إذا لم نعلم بصدق أحدهما ، أم لا ، فيجوز الالتزام بحكم ثالث مخالف لمفادهما ؟ كما لو كان أحد الدليلين يقول : ( تجب صلاة الجمعة في عصر الغيبة ) والآخر يقول : ( تحرم صلاة الجمعة في عصر الغيبة ) ، فإذا سقط مدلول الدليلين المطابقي ، فهل يمكن أن يكونا سبباً لنفي الاحتمال الثالث الذي هو مدلولهما الالتزامي ، وهو استحباب صلاة الجمعة أو كراهتها ؟
ذهب المشهور إلى إمكان ذلك ، وقد أفيد في تخريجه ثلاثة أوجه :
الوجه الأوّل : ما ذكره المحقّق النائيني
وحاصله أن الدلالة الالتزامية فرع الدلالة المطابقية في الوجود ، لا في الحجّية ؛ فإن اللازم تابع للملزوم بحسب مقام الثبوت والإثبات ، وليس تابعاً له في الحجّية كي يكون سقوط شيء عن الحجّية في الملزوم موجباً لسقوطه عن الحجّية في اللازم . وعليه فإذا سقط الدليلان عن الحجّية بالنسبة إلى مؤدّاهما المطابقي للمعارضة ، لا يلزم سقوطهما عن الحجّية بالنسبة إلى مدلولهما الالتزامي - أي نفي الثالث - لعدم المعارضة بينهما في نفيه .
فلو كان مفاد أحد المتعارضين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وكان مفاد الآخر حرمة الدعاء في ذلك الوقت ، فبالنسبة إلى نفي الكراهة والإباحة والاستحباب عن الدعاء عند رؤية الهلال متوافقان .
وهذا ما ذكره بقوله : ( فالإنصاف : أنه لا مجال لتوهّم شمول أدلّة حجّية