الورود والتعارض
وعلى ضوءِ ما تقدّمَ نعرفُ أنّ الورودَ - بالمعنى الذي تقدّمَ في الحلقة السابقة - ليس من التعارضِ ، سواءٌ كان الدليلُ الواردُ محقّقاً في مورده لفردٍ حقيقيٍّ من موضوع الدليلِ المورود ، أو نافياً في مورده حقيقةً لموضوع ذلك الدليل .
أمّا في الأوّل فواضحٌ . وأمّا في الثاني فلأنَّ التنافي إنّما هو بين المجعولينِ والفعليّتينِ لا بينَ الجعلين ، فالدليلان ( الواردُ والمورودُ ) كلاهما حجّةٌ في إثباتِ مفادهِما ، وتكونُ الفعليةُ دائماً لمفاد الدليل الوارد ؛ لأنّه نافٍ لموضوع المجعول في الدليل الآخر .
وعلى هذا صحَّ القولُ بأنَّ الدليلين إذا كان أحدُهما قد أُخذ في موضوعه عدمُ فعليةِ مفادِ الدليلِ الآخر فلا تعارضَ بينهما ، إذ لا تنافيَ بين الجعلين ، ويكونُ أحدُهما وارداً على الآخر في مرحلة المجعولِ والفعلية .
ثمَّ إنَّ ورودَ أحدِ الدليلين على الآخر يتمُّ - كما عرفتَ - برفعه لموضوعه ، وهذا الرفعُ على أنحاءٍ :
منها : أن يكونَ رافعاً له بفعليةِ مجعولهِ ، بأن يكونَ مفادُ الدليلِ المورودِ مقيَّداً بعدم فعلية المجعولِ في الدليل الوارد .
ومنها : أن يكونَ رافعاً له بوصول المجعولِ لا بواقع فعليَّته ولو لم يَصِلْ .
ومنها : أن يكونَ رافعاً له بامتثاله ، فما لم يمتثلْ لا يرتفعُ الموضوعُ في الدليل المورود .
ومثالُ الأوّلِ : دليلُ حرمةِ إدخال الجُنُبِ في المسجد ، الذي يَرفعُ بفعلِيَّةِ مجعولهِ موضوعَ صحّةِ إجارةِ الجُنُبِ للمَكْثِ في المسجد ، إذ يجعلُها إجارةً على
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 296
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢٩٦