فعلى الرغم من ذلك يمكن أن نرجع إمّا إلى البراءة العقلية بناء على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، على مبنى المشهور ، أو الرجوع إلى العموم الفوقاني وهو الاستصحاب القاضي باستصحاب عدم التكليف ، على مبنى حقّ الطاعة ؛ لأنّ دليل الاحتياط أخصّ من الاستصحاب ؛ لأنّ الاستصحاب يجري في التكليف والموضوع وفي الشبهة التحريمية والوجوبية . أمّا الاحتياط فيجري في الشبهات الحكمية فقط ؛ بناء على اختصاص الاحتياط بالشبهات الحكمية .
وبهذا يتّضح أنّه إذا سقط دليل الاحتياط بمعارضته مع أدلّة البراءة ، نرجع إلى العموم الفوقاني وهو استصحاب عدم التكليف .
وبهذا يتّضح تقدّم أدلّة البراءة ؛ لما ذكرنا من الوجوه .
المقام الثاني : علاج التعارض بين روايات الاحتياط وبين روايات البراءة
أمّا التعارض بين روايات الاحتياط وبين الروايات الدالّة على البراءة كحديث الرفع التامّ الدلالة على البراءة ، فقد يقال أن أخبار الاحتياط مقدّمة على حديث الرفع بالأخصية ؛ لأنّ أخبار الاحتياط مختصّة بالشبهات الحكمية ، أمّا حديث الرفع فهو عام وشامل للشبهة الحكمية الموضوعية .
لكن هذا غير تامّ ، بل النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه ؛ لأنّ أخبار الاحتياط وإن كانت خاصّة من جهة اختصاصها بالشبهات الحكمية ، لكنها عامة من جهة أخرى وهي شمولها لموارد العلم الإجمالي ، بينما يختصّ حديث الرفع بالشبهة البدوية ، وعلى هذا يقع التعارض بينهما في مادة الاجتماع وهو الشبهة البدوية ، ومن ثم يقدّم حديث الرفع لموافقته للكتاب ، لما تقدّم من أن الكتاب يدلّ على البراءة لا الاحتياط ، طبقاً لقواعد الترجيح عند التعارض .
ومع قطع النظر عن تطبيق قواعد الترجيح عند التعارض والقول بتساقط المتعارضين ، يتمّ الرجوع إلى العموم الفوقاني وهو الاستصحاب القاضي باستصحاب عدم التكليف ، كما تقدّم آنفاً .