الشرح
بعد أن فرغ المصنّف ( قدّس سرّه ) من إثبات أنّ موضوع الحجّية هو الظهور الموضوعي لا الظهور الذاتي ، جاء في هذا المقطع ليُثبت أنّ الظهور الموضوعي في عصر صدور النصّ هو الحجّة لا الظهور الموضوعي في عصر السماع المتأخّر عن عصر الصدور .
الغاية من طرح هذا البحث
من الحقائق الثابتة أنّ اللغة موجودٌ حيّ ، له تطوّر وتكامل وانتكاس ، وله تغيّر وتبدّل ، فحال اللغة كحال أيّ موجود حيّ آخر ، بمعنى : أنّ حكمها كحكم الموجودات الحيّة ، فكما أنّ الموجودات الحية تتطوّر وتتكامل وتؤثّر فيها الشرائط المختلفة ، كذلك حكم اللغة ؛ ويشهد لذلك أنّ اللفظة الواحدة يمكن أن تشير في هذا الزمان إلى معنىً يختلف تماماً عن معناها في الزمن السابق ، وأنّ جملةً - يصحّ السكوت عليها - لو سمعها إنسان اليوم لتبادر إلى ذهنه منها معنىً يختلف عن المعنى الذي كان يتبادر منها إلى الشخص الذي عاش قبل خمسمائة سنة « 1 » .
هامش
( 1 ) فمثلًا : ما يتبادر من قوله تعالى :بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ( المعارج : 40 ) لإنسان اليوم - الذي شهد هذا التطوّر في العلوم وشهد هذه النظريات الحديثة - حركة الأرض ؛ باعتبار أنّ الشمس تشرق على جزء من الأرض وتغرب عن جزء آخر ، فالله ربّ المشارق وربّ المغارب ، فيتبادر إلى ذهن الإنسان المعاصر عند سماع هذه الآية حركة الأرض ، أمّا الذي كان يؤمن بأنَّ الأرض ساكنة فلا يتبادر إلى ذهنه نفس هذا المعنى .
وكذلك قوله تعالى :كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ( الأنعام : 125 ) ، فيه إشارة إلى الإنسان الذي يصاب بضيق . فإنسان اليوم بعد أن صعد الطائرة وعرف بأنّ الضغط يقل كلّما صعد للأعلى ، بدأ يتبادر له هذا المعنى عند سماع هذه الآية المباركة . ومن الواضح أنّ هذا المعنى لم يكن متبادراً إلى ذهن الإنسان الذي عاش قبل اكتشاف هذه الحقائق العلمية . ( منه دام ظلّه ) . .