الشرح
يُعدّ بحث السيرة العقلائية أحد مصاديق بحث السكوت والتقرير ، وهو من الأبحاث الأصولية الدقيقة والمهمّة ، حيث يجري الاستدلال بها على جملة من المباحث الأصولية ، فيستدلّ بها مثلًا على حجّية الظواهر وعلى حجّية خبر الواحد وعلى حجّية أمارات أخرى .
وقد وجدنا أنّ القائل بحجّية الظواهر والقائل بعدم حجّيتها كلٌّ منهما يستدلّ بالسيرة لإثبات مدّعاه ، وكذا الحال في بحث الصحيح والأعمّ ، فإنّ من يذهب إلى أنّ الألفاظ موضوعة للصحيح يستدلّ بالسيرة ، ومن يذهب إلى أنّ الألفاظ موضوعة للأعمّ كذلك يستدلّ بها .
من هنا اقتضت الحاجة إلى عقد بحثٍ وافٍ في نفس دليلية السيرة ، قبل استعمالها كدليلٍ لإثبات غيرها بها وشروط هذه الدليلية ، حتّى نكون على بصيرة منها ، من حيث كيفية الاستدلال بها ، وأنّه متى يكون الاستدلال بها صحيحاً ومتى يكون الاستدلال بها سقيماً .
ثمّ إنّ الاستدلال بالسيرة شاع في المسائل الفقهية كذلك ولم يقتصر على خصوص المسائل الأصولية ، خصوصاً في مثل أبواب المعاملات ، حيث يتمسّك هناك بالسيرة لإثبات الكثير من النكات ، وهكذا فإنّ « الاستدلال بالسيرة بدأ يتّسع بالتدريج كلّما تقلّصت دائرة الأدلّة السابقة التي كان يعوَّل عليها في مقام إثبات المسلَّمات والمرتكزات الفقهية ، فمثلًا : كان يعوَّل على قواعد من قبيل حجّية الإجماع المنقول والشهرة وإعراض المشهور عن العمل بخبر صحيح ، أو عملهم بخبر ضعيف ، فكانت هذه القواعد تكفي وتفي بإثبات ما يُراد إثباته عادةً بالسيرة في الأمور التي يرى الفقيه التحرّج في الخروج
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 225
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٢٥