إذن هناك شمولية وبدلية لا بمعنى تعدّد الحكم ووحدته ، بل شمولية وبدلية في الحكم الواحد ، أي في مقام الامتثال . كما في قول المولى : ( لا تحدث ) ، فهذا نهي وضعي لا تكليفي ، فلو أحدث بطل وضوءُه ، ولكنه لم يرتكب حراماً . نعم ، يمكن أن نتصوّره تكليفياً ، كما لو كان المكلف في الصلاة وكان قطعها حراماً ، فحينئذٍ لا يجوز له أن يحدث اختياراً . والحدث لا يتكرر ، فمن كان محدثاً ثمّ أحدث مرة أخرى لم يخالف الحكم إلا مرة واحدة . إذن يوجد عندنا حكم واحد ، وامتثاله يتحقّق بإعدام جميع أفراده ، وبهذا يكون الامتثال شمولياً ، مع أن الحكم واحد . وهكذا في مثل : ( صلِّ ) ، ففي مقام الامتثال يكفي أن نصلّي مرة واحدة . فالحكم واحد وامتثاله يكون على بنحو البدلية .
فتحصّل : أن الشمولية والبدلية ، تارة تكون للحكم ؛ بمعنى تعدّد الحكم ووحدته ، وأخرى أن الحكم واحد ولكن في بعض الأحيان يقتضي الشمولية ، وفي البعض الآخر يقتضي البدلية في مقام الامتثال .
إذا عرفت ذلك : فاعلم أنّ محلّ البحث بين علماء الأصول هو الشمولية والبدلية بالمعنى الأوّل ؛ لأنّه هو مفاد الدليل ، أما الشمولية والبدلية بالمعنى الثاني فغير مرتبطة بالحكم الشرعي ، بل بالامتثال ، والذي أوكله السيد الشهيد إلى بحث أعلى هو القسم الأوّل من الشمولية والبدلية . أما الشمولية والبدلية في مقام الامتثال فنكتتها غير مرتبطة باللفظ ولا بالإطلاق ، بل مرتبطة بالعقل . وحاصلها : أنّ الطبيعة توجد بفرد واحد ولا تنعدم إلّا بانعدام جميع أفرادها . فإذا أراد المولى من المكلف أن يُعدم طبيعة كالحدث مثلًا ، فإعدامها يتحقّق بأن لا يأتي بأيّ فرد من أفراد الحدث . فلو أحدث مرة واحدة يصدق عليه أنه أحدث . أما لو طلب المولى فعلًا من المكلف كما لو قال : ( صم ) ، فصام المكلف يوماً واحداً صدق عليه أنه صام .
فتلخّص : أن المولى لو طلب إيجاد الطبيعة في مقام الامتثال يكتفي بالبدلية ،
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 402
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٤٠٢