غيرَ أنّ المولى في مقامِ التوجيهِ للمكلّفِ الذي اختلطتْ عليه المباحاتُ بالمحرّماتِ بين أمرين : إمّا أن يُرخِّصَه في ارتكابِ ما يُحتملُ إباحتُه . وإمّا أنْ يمنعَه عن ارتكابِ ما يُحتملُ حُرمتُه ، وواضحٌ أنّ اهتمامَه بالاجتنابِ عن المحرّماتِ الواقعيّةِ يدعوه إلى المنعِ عن ارتكابِ كلّ ما يُحتملُ حرمتُه ، لا لأنّ كلَّ ما يُحتملُ حرمتُه فهو مبغوضٌ وذو مفسدة ، بل لضمان الاجتنابِ عن المحرّماتِ الواقعيةِ الموجودةِ ضمنَها ، فهو منعٌ ظاهريٌّ ناشئٌ من مبغوضيّة المحرّماتِ الواقعيّةِ والحرصِ على ضمان اجتنابِها .
وفي مقابل ذلك إن كانتِ الإباحةُ في المباحاتِ الواقعيةِ ذاتَ ملاكٍ لا اقتضائيٍّ ، فلن يجدَ المولى ما يحولُ دونَ إصدارِ المنعِ المذكورِ ، وهذا المنعُ سيشملُ الحرامَ الواقعيَّ والمباحَ الواقعيَّ أيضاً ، إذا كان محتملَ الحرمةِ للمكلّفِ ، وفي حالةِ شمولِه للمباحِ الواقعيِّ لا يكونُ منافياً لإباحتِه ، لأنّه - كما قلْنا - لم ينشأْ عن مبغوضيّةِ نفس متعلّقِه ، بل عن مبغوضيّةِ المحرّماتِ الواقعيةِ والحرصِ على ضمانِ اجتنابِها .
وأمّا إذا كانت الإباحةُ الواقعيةُ ذاتَ ملاكٍ اقتضائيٍّ ، فهي تدعو - خلافاً للحرمةِ - إلى الترخيصِ في كلِّ ما يُحتملُ إباحتُه ، لا لأنّ كلَّ ما يُحتملُ إباحتُه ففيه ملاكُ الإباحةِ ، بل لضمانِ إطلاقِ العنانِ في المباحاتِ الواقعيةِ الموجودةِ ضمنَ محتملاتِ الإباحةِ ، فهو ترخيصٌ
ظاهريٌّ ناشئٌ عن الملاكِ الاقتضائيِّ للمباحاتِ الواقعيةِ والحرصِ على تحقيقِه .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 351
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣٥١