الطرف الآخر أصلان طوليّان ، ونقصد بالأصلين الطوليين أنْ يكون أحدهما حاكماً على الآخر ورافعاً لموضوعه تعبداً ، ومثال ذلك : أنْ يُعلم إجمالا بنجاسة إناء مردَّد بين إناءين ، أحدهما مجرىً لأصالة الطهارة فقط ، والآخر مجرىً لاستصحاب الطهارة « 1 » وأصالتها معاً ، بناءً على أنَّ الاستصحاب حاكم على أصالة الطهارة ، فقد يقال في مثل ذلك : إنَّ أصالة الطهارة في الطرف الأول تُعارض استصحاب الطهارة في الطرف الثاني ، ولا تدخل أصالة الطهارة للطرف الثاني في هذا التعارض ؛ لانَّها متأخرة رتبةً عن الاستصحاب ومتوقفة على عدمه « 2 » ، فكيف تقع طرفاً للمعارضة في مرتبته ؟ وبكلمة أخرى : إنَّ المقتضيَ لها اثباتاً لا يتمّ الا بعد سقوط الأصل الحاكم ، وهو الاستصحاب ، والسقوط نتيجة المعارضة بينه وبين أصالة الطهارة في الطرف الأول ، وإذا كان الأصل « 3 » متفرِّعاً في اقتضائه للجريان على المعارضة ، فكيف يكون طرفاً فيها ؟ وإذا استحال أنْ يكون طرفاً في تلك المعارضة ، سقط المتعارضان أوّلا ، وجرى الأصل الطولي بلا معارض « 4 » .
ومنها : ما إذا كان دليل الأصل شاملا لكلا طرفي العلم الاجمالي بذاته ، وتوفَّر دليل أصل آخر لا يشمل إلا أحد الطرفين ، ومثال ذلك : أنْ يكون كلّ من الطرفين مورداً للاستصحاب المؤمِّن ، وكان أحدهما خاصةً مورداً لأصالة الطهارة ، ففي
هامش
( 1 ) . أي : أنَّ للآخر حالةً سابقة متيقنة وهي طهارته بالأمس .
( 2 ) . بمعنى أَنَّ جريان استصحاب الطهارة في الطرف الثاني يثبت طهارته ، ويزيل الشك فيها ، فلا تجري في الإناء الثاني أصالة الطهارة ؛ لأن موضوعها الشك ، وقد ارتفع .
( 3 ) . أي : أصالة الطهارة .
( 4 ) . فترتفع المشكلة الإِثباتية ولا تجب الموافقة القطعية على الاقتضاء ، وأما على العليّة فحتى هنا لا تجري أصالة الطهارة ؛ لأنَّ جريانها ينافي عليّة العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة ، سواء وجد معارض ثبوتاً أم لا .