الثاني « 1 » : أَنَّ حُسن الاحتياط كحسن الطاعة وقبح المعصية واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي ، وقد تقدم المسلك « 2 » القائل بأَنَّ الحسن والقبح الواقعين في هذه المرحلة لا يستتبعان حكماً شرعياً .
وكلا الوجهين غير صحيح .
أمّا الأول ؛ فلأنَّ الاستحباب المولوي للاحتياط إمّا أَنْ يكون نفسياً لملاك وراءَ ملاكات الاحكام [ الواقعيّة ] المحتاط بلحاظها « 3 » ، وإما أن يكون طريقيّاً بملاك التحفظ على تلك الأحكام « 4 » ، وعلى كلا التقديرين لا لغوية ، أمّا على النفسية ؛ فلأنَّ محركيته « 5 » مغايرة سنخاً لمحركية الواقع المشكوك « 6 » ، فتتأكد إِحداهما بالأخرى ، وأَما على الطريقية ؛ فلأنَّ مرجعه حينئذ إلى إبراز مرتبة من اهتمام المولى بالتحفظ على الملاكات الواقعية في مقابل إبراز نفي هذه المرتبة من الاهتمام ايضاً ، ومن الواضح : أَنَّ درجة محركية الواقع المشكوك تابعة لما يُحتمل أوْ يُحرز من مراتب اهتمام المولى به .
هامش
( 1 ) . حاصله : أنَّ حسن الاحتياط عقلا لا يمكن ان يستتبع استحباب الاحتياط شرعاً .
( 2 ) . وهو تفصيل النائيني بين الحسن الثابت في مرحلة متأخرة عن الحكم ، والثابت في مرحلة متقدمة عليه ، فالأوّل لا يستلزم حكم الشارع على طبقه ، بخلاف الثاني .
( 3 ) . كما يظهر من قوله ( عليه السلام ) : « من ترك الشبهات فهو لما استبان له أترك » الدال على أن رجحان الاحتياط لم ينشأ من التحفظ على الواقع ، بل لكونه يولّد للمؤمنِ مناعةً وقدرة على ترك المحرّمات المعلومة .
( 4 ) . أي : التحفظ من الوقوع في المحرّمات المحتملة .
( 5 ) . أي : محركيّة الاستحباب النفسي للاحتياط .
( 6 ) . لأنَّ المحركية الأولى ناشئة من ملاك في نفس الاحتياط ، والثانية ناشئة من ملاك الحكم الواقعي المشكوك .