وأمّا في الصورة الثانية ، فلا يحقق ذلك ؛ لأنَّ وجوب الحج مترتب على عدم وجوب الوفاء واقعاً ، وهو غير مُحْرَز وجداناً « 1 » ، وإنما يَثبت تعبداً بالأصل ، دون أنْ ينشأ علم تفصيلي بوجوب الحج ، ولهذا لا يكون جريان الأصل في الصورة الثانية موجباً لانحلال العلم الاجمالي ، وبالتالي لا يكون وجود العلم الاجمالي متوقفاً على عدم جريانه ، ومن أجل ذلك « 2 » قد يقال هنا بعدم جريان الأصل المؤمِّن عن وجوب الوفاء على القول بالعلية ؛ لأنَّ مانعيّة العلم الاجمالي عن جريانه ممكنة ؛ لعدم توقف العلم الاجمالي على عدم جريانه .
وهناك فارق آخر بين الصورتين ، وهو : أنَّه في الصورة الأولى يجري الأصل المؤمِّن عن وجوب [ الوفاء بالدين ] ، سواء كان تنزيلياً « 3 » أولا « 4 » ، ويحقق على أيّ حال موضوعَ وجوب الحج وجداناً ، وأمّا في الصورة الثانية ، فإنّما يجري إذا كان تنزيلياً ، بمعنى : أنَّ مُفاده التعبد بعدم التكليف المشكوك واقعاً « 5 » ، وذلك لأنَّ الاصلَ التنزيليَّ هو الذي يُحرز لنا تعبداً موضوعَ وجوب الحج ، فيكون بمثابة الأصل السببي بالنسبة إلى الأصل المؤمِّن عن وجوب الحج ، وأمّا الأصل العملي البحت ، فلا يثبت به تعبداً العدم الواقعي لوجوب الوفاء ، فلا يكون حاكماً
هامش
( 1 ) . لأنَّ جريان الأصل يثبت عدم الوجوب ظاهراً ، لا واقعاً .
( 2 ) . أي : من أجل أن جريان الأصل المؤمّن لا يوجب انحلال العلم الاجمالي حقيقةً .
( 3 ) . كاستصحاب عدم وجوب الوفاء بالدين .
( 4 ) . بأن يكون أصلا بحتاً كالبراءة ؛ لأنَّ المراد في الصورة الأولى إثبات عدم وجوب الوفاء بالدين ظاهراً .
( 5 ) . لأن وجوب الحج في الصورة الثانية مترتب على العدم الواقعي لوجوب الوفاء بالدين ، فلابد أن يكون الأصل ناظراً إلى الواقع ومحرزاً له ، ليكون حاكماً على الأصل المسببي الجاري في وجوب الحج .