يقال بعدمه على أساس أنَّ الأصول إنما تتعارض إذا أدّى جريانها في كل الأطراف إلى الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف الواقعي ، ولا يلزم ذلك في مورد البحث ؛ لعدم العلم بمصادفة البينة للتكليف الواقعي « 1 » ، وكلا هذين الوجهين غير صحيح .
وتحقيق الحال في ذلك : أنَّ البينة تارة يفترض قيامها ابتداءً على الجامع « 2 » ، وأخرى يفترض قيامها على الفرد [ المعيّن ] ثمّ [ يتردّد ] موردها بين الطرفين « 3 » .
اما في الحالة الأولى ، فنواجه دليلين « 4 » ، أحدهما : دليل حجية الأمارة الذي ينجِّز مؤداها « 5 » ، والآخر : دليل الأصل « 6 » الجاري في كلٍّ من الطرفين في نفسه ، وهما دليلان متعارضان ؛ لعدم إمكان العمل بهما معاً « 7 » ، والوجه الأول يفترض تمامية الدليل الأول ، ويرتّب على ذلك عدم امكان إجراء الأصول ، والوجه الثاني لا يفترض الفراغ عن ذلك ، فيقول : لا محذورَ في جريانها « 8 » ، والاتجاه الصحيح هو حلّ التعارض القائم بين الدليلين .
فإنْ قيل : أليس دليل حجية الأمارة حاكماً على دليل الأصل « 9 » ؟
هامش
( 1 ) . لاحتمال خطأ البيّنة ، وعدم ثبوت النجاسة في أيّ من الإناءين ، ومعه لا يحصل القطع بالمخالفة من جريان الأصل المرخّص في الطرفين .
( 2 ) . أي : نجاسة أحدهما غير المعيّن .
( 3 ) . كأن يشتبه السامع بعد ذلك في أنَّ أيَّهما هو النجس .
( 4 ) . كل منهما يقتضي شيئاً ينافي ما يقتضيه الآخر .
( 5 ) . وهو نجاسة أحد الإناءَين .
( 6 ) . وهو : أصل الطهارة .
( 7 ) . إذ العمل بهما معاً يعني أن نلتزم بطهارة كلٍّ من الطرفين ونجاسته في الوقت نفسه .
( 8 ) . وهذا غير صحيح من الناحية الفنيّة ؛ إذ لدينا دليلان معتبران ، فلابد للأخذ بأحدهما دون الآخر من توجيه فنيّ .
( 9 ) . فإن معنى حجية الأمارة جعلها علماً ، فتكون رافعة لموضوع أصل الطهارة تعبّداً .