وحكى لي أبو الزيان صاحبه متبجحا ، انه ما بقي منهم صاحبه بأرض الا سته نفر ، وما بقي من أماناته فهو أكبرها وأجلها ، وهو وروده تحت الركاب لنصره ابن عمه ، على زعمه .
فلما ورد على تلك الصورة ، وقع التشكك فيه قبل ان يحكم أموره ، وأعطاه من الايمان والعهود ما استدعى التائبين بفعله ، واستجلب السكون إلى ما اضمره من اغتياله وختله ، وعز الدولة ينسب إلى ما يأتيه إلى الجميل ، ولا يستريب به في كثير ولا قليل .
فلما سكن اليه ، واعتمد في التوسط بينه وبين أوليائه عليه ، وانتهز فرصته ، واستلب غرته ، واستولى على الأمور كأنه مالكها ، وانشب مخالبه فيها ، فكأنه لم يزل مدبرها ، وجعل أرش مسيره لمعاونته انتهاك محارمه ، وتشتيت أصحابه وحرمه ، وتناسى افعال معز الدولة له ولوالده منذ ثلاثين سنه ، وبذله عنهما عظيم الأموال ، ونفيس الأحوال ، في دفع أصحاب خراسان كل دفعه ، وكسر عساكر وشمكير ، والله تعالى يهلك الظالمين ، ويأخذ الباغين .
ورأى انه متى عاجلني ظهر تمويهه ، وثار به سائر الأولياء ، وانكشف تدبيره ، فاسر امرى في نفسه ، ولم يتمكن من اظهاره في وقته ، فأطمعته كل الأطماع في ارتفاع ما ضمنته من الأموال ، واعتمدت في أموره على من أعطاني المقدرة عليها ، ولجات إلى كرمه فيما عود منها ، حتى قفزت من بين يديه قفزه يا لهفه عليها لو أدركها ، واسفه على ما تم لي فيها ، وكنت بحول الله في تدبيري ، كما قال ثابت الخزاعي :
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده * أضاع وقاسى امره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا * به الخطب الا وهو للقصد مبصر
وكانت نفسي تنازعنى تقديم ما تأخر ، وتجاذبني تعجيل ما تاجل ، فأجبتها بما قاله علي بن محمد البصري العلوي :
وإذا تنازعنى أقول لها اصبري * موتا يريحك أو صعود المنبر
ما قد قضى سيكون فاصطبرى له * ولك الأمان من الذي لم يقدر
وقد لقيت كافه جيوشه ، وعامه أصحابه ، وهي كعدد أهل أحد كثره ، بفتيان كعدد أهل بدر قله ، فما زلت معهم في كل الأيام ، كما قال علي بن محمد أيضا :
وانا لتصبح أسيافنا * إذا ما انتضين ليوم سفوك