تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاء ( الطبيعيات ) — صفحة مقدمة 11

مساهمون:

صمقدمة ١١

مقدمة

عنى العرب منذ عهد بعيد بتعرّف الحيوانات التي وقعت تحت بصرهم ، سواء أكانت أليفة أم متوحشة ، فوصفوها ، وبيّنوا بعض خصائصها . وفي الشعر الجاهلي قطع خالدة في وصف الإبل والخيل ، ولم يغفلوا الوحشيات ، وفلواتهم غنية بها . ولا تخلو أمثالهم ونوادرهم من حديث عن الحيوان والطير ، كثيرا ما شابته الأسطورة والخرافة . وفي القرن الثاني للهجرة بدأ الباحثون يسجلون شيئا من ذلك ، وفي مقدمتهم الأصمعي ( 216 ه ) وأبو حاتم السجستاني ( 248 ه ) فوضعوا كتبا في الإبل والخيل ، والوحوش والطير ، وقد وصلنا بعضها « 1 » . ويظهر أن المعتزلة غذّوا هذه الناحية ، كما غذّوا نواحي أخرى في بحوث الإسلام المبكرة . فقادهم الحوار والجدل إلى البحث عن آيات اللّه ، وتفننوا في الكشف عن عجائب المخلوقات . وتبنّوا أحيانا حيوانات أو طيورا يتحدثون باسمها ، ويتعمقون في بيان خصائصها ومميزاتها ، فمنهم « صاحب الكلب » و « صاحب الديك » و « صاحب الحمام « 2 » » وعدّوا ذلك ضربا من ضروب التعبد ، وسبيلا للكشف عن جلال اللّه وعظمته . ونظم بشر بن المعتمر ( 210 ه ) ، وهو رئيس فرقة من فرق المعتزلة ، قصيدتين وقفهما على خصائص الحيوان وعجائبه « 3 » . ثم جاء الجاحظ ( 255 ه ) الأديب والمعتزليّ ، فتوّج ذلك كله ، ووضع أول كتاب عربى شامل في علم الحيوان جمع بين الأدب والسياسة ، والكلام والفلسفة ، والطب والطبيعة . في هذا الجو العامر بالدرس والبحث ، رغب العرب في أن يستمدّوا من الثقافات الأخرى كل ما يتصل بالحيوان وخصائصه ، فأخذوا عن الثقافة الهندية والفارسية ما أخذوا ، وعوّلوا بوجه خاص على الثقافة اليونانية . وكان عمدتهم فيها ما قام به أرسطو من دراسة مستفيضة للحيوان ، ترجموا قسطا كبيرا منها في عهد مبكر إلى السوريانية والعربية ، واضطلع بترجمته أحد كبار المترجمين في الإسلام ، وهو ابن البطريق ( 215 ه ) الذي
هامش
( 1 ) منها للأصمعى « كتاب الوحوش » - ثيينا 1888 ، وكتاب الخيل ، ثيينا 1895 ،
( 2 ) الجاحظ ، « الحيوان » - طبعة ساسى ، ج 1 ، ص 175 ، ج 2 ، ص 55 .
( 3 ) المصدر السابق ، ج 6 ، ص 91 .