هامش
- إلَيهِ مَعادُكَ ، فَقَد عَرَفتَ مِن عَداوَةِ أهلِ هذَا البَيتِ لَكُم ، وظُلمَهُم إيّاكُم ، وقَد وَلِيَ النّاسَ هذَا الرُّجُلُ يَزيدُ بنُ مُعاوِيَةَ ، ولَستُ آمَنُ أن يَميلَ النّاسُ إلَيهِ لِمَكانِ هذِهِ الصَّفراءِ وَالبَيضاءِ ، فَيَقتُلونَكَ ويَهلِكُ فيكَ بَشَرٌ كَثيرٌ ؛ فَإِنّي قَد سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله وهُوَ يَقولُ : « حُسَينٌ مَقتولٌ ، ولَئِن قَتَلوهُ وخَذَلوهُ ولَن يَنصُروهُ ، لَيَخذُلُهُمُ اللَّهُ إلى يَومِ القِيامَةِ » .
وأنَا اشيرُ عَلَيكَ أن تَدخُلَ في صُلحِ ما دَخَلَ فيهِ النّاسُ ، وَاصبِر كَما صَبَرتَ لِمُعاوِيَةَ مِن قَبلُ ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أن يَحكُمَ بَينَكَ وبَينَ القَومِ الظّالِمينَ .
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ عليه السلام : أبا عَبدِ الرَّحمنِ ! أنَا ابايِعُ يَزيدَ وأدخُلُ في صُلحِهِ ! وقَد قالَ النَّبِيُّ صلى اللَّه عليه و آله فيهِ وفي أبيهِ ما قالَ ؟ !
فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ : صَدَقتَ أبا عَبدِ اللَّهِ ! قالَ النَّبِيُّ صلى اللَّه عليه و آله في حَياتِهِ : « ما لي ولِيَزيدَ ؟ لا بارَكَ اللَّهُ في يَزيدَ ! وإنَّهُ يَقتُلُ وَلَدِي ووَلَدَ ابنَتِيَ الحُسَينَ ، وَالَّذي نَفسي بِيَدِهِ ، لا يُقتَلُ وَلَدي بَينَ ظَهرانَي قَومٍ فَلا يَمنَعونَهُ ، إلّا خالَفَ اللَّهُ بَينَ قُلوبِهِم وألسِنَتِهِم » .
ثُمَّ بَكَى ابنُ عَبّاسٍ ، وبَكى مَعَهُ الحُسَينُ عليه السلام ، وقالَ : يَا بنَ عَبّاسٍ ، تَعلَمُ أنِّي ابنُ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله ؟ فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ : اللَّهُمَّ نَعَم ، نَعلَمُ ونَعرِفُ أنَّ ما فِي الدُّنيا أحَدٌ هُوَ ابنُ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله غَيرُكَ ، وأنَّ نَصرَكَ لَفَرضٌ عَلى هذِهِ الامَّةِ ، كَفَريضَةِ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ الَّتي لا يُقدَرُ أن يُقبَلَ أحَدُهُما دونَ الاخرى .
قالَ الحُسَينُ عليه السلام : يَابنَ عَبّاسٍ ، فَماتَقولُ في قَومٍ أخرَجُوا ابنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله مِن دارِهِ وقَرارِهِ ، ومَولِدِهِ وحَرَمِ رَسولِهِ ، ومُجاوَرَةِ قَبرِهِ ومَولِدِهِ ، ومَسجِدِهِ ومَوضِعِ مُهاجَرِهِ ، فَتَرَكوهُ خائِفاً مَرعوباً لا يَستَقِرُّ في قَرارٍ ، ولا يأوي في مَوطِنٍ ، يُريدونَ في ذلِكَ قَتلَهُ وسَفكَ دَمِهِ ، وهُوَ لَم يُشرِك بِاللَّهِ شَيئاً ، ولَا اتَّخَذَ مِن دونِهِ وَلِيّاً ، ولَم يَتَغَيَّر عَمّا كانَ عَلَيهِ رَسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله وَالخُلَفاءُ مِن بَعدِهِ ؟
فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ : ما أقولُ فيهِم إلّا« أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى )« يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا*مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا )وعَلى مِثلِ هؤُلاءِ تَنزِلُ البَطشَةُ الكُبرى .
وأمّا أنتَ يَا بنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله ، فَإِنَّكَ رَأسُ الفَخارِ بِرَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله ، وَابنُ نَظيرَةِ البَتولِ ، فَلا تَظُنَّ يَا بنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه و آله أنَّ اللَّهَ غافِلٌ عَمّا يَعمَلُ الظّالِمونَ ، وأنَا أشهَدُ أنَّ مَن رَغِبَ عَن مُجاوَرَتِكَ ، وطَمِعَ في مُحارَبَتِكَ ومُحارَبَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه و آله ، فَما لَهُ مِن خَلاقٍ .
فَقالَ الحُسَينُ عليه السلام : اللَّهُمَّ اشهَد ! فَقالَ ابنُ عَبّاسٍ : جُعِلتُ فِداكَ يَا بنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ ! كَأَنَّكَ تُريدُني إلى نَفسِكَ ، وتُريدُ مِنّي أن أنصُرَكَ ! وَاللَّهِ الَّذي لا إلهَ إلّا هُوَ ، أن لَو ضَرَبتُ بَينَ يَدَيكَ بِسَيفي هذا حَتّى انخَلَعَ جَميعاً مِن كَفّي ، لَما كُنتُ مِمَّن اوفي مِن حَقِّكَ عُشرَ العُشرِ ، وها أنَا بَينَ يَدَيكَ ، مُرني بِأَمرِكَ . -