تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
بذلك الوجه عليه ولنا - والحمد للّه تعالى - في ذلك المطلب أدلة شتى ، وكذا لا دليل للمجسمة القائلين بأنه تعالى في مكان في
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
لأن المراد بالرجوع إليه الجمع في المحشر حيث لا يتولى الحكم سواه والأمر يومئذ للّه ، ووراء هذا من المقال ما لا يخفى على العارفين ، وفي قوله تعالى :
تُرْجَعُونَ
على البناء للمفعول دون - يرجعكم - المناسب للسياق مراعاة لتناسب رؤوس الآي مع وجود التناسب المعنوي للسياق ، ولهذا قيل : إن قراءة الجمهور أفصح من قراءة يعقوب ومجاهد ، وجماعة « ترجعون » مبنيا للفاعل ، ولا يرد أن الآية إذا كانت خطابا للكفار - ومعنى العلم ملاحظ فيها - امتنع خطابهم بما بعد - ثم وثم - من الفعلين لأنهم لا يعلمون ذلك لأن تمكنهم من العلم لوضوح الأدلة آفاقية وأنفسية - وسطوع أنوارها عقلية ونقلية - منزل منزل العلم في إزاحة العذر ، وبهذا يندفع أيضا ما قيل : هم شاكون في نسبة ما تقدم إليه تعالى فكيف يتأتى ذلك الخطاب به ، ويحتمل كما قيل : أن يكون الخطاب في الآية للمؤمن والكافر فإنه سبحانه لما بين دلائل التوحيد أيضا من قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
إلى
فَلا تَجْعَلُوا
ودلائل النبوة من
وَإِنْ كُنْتُمْ
إلى
إِنْ كُنْتُمْ
وأوعد ب
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
الآية ، ووعد ب
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا
إلخ أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة من قوله
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
إلى
هُمْ فِيها خالِدُونَ
والخاصة من
يا بَنِي إِسْرائِيلَ
[ البقرة : 40 ] إلى
ما نَنْسَخْ
[ البقرة : 106 ] واستقبح صدور الكفر - مع تلك النعم منهم - توبيخا للكافر وتقريرا للمؤمن وعد الإماتة نعمة لأنها وصلة إلى الحياة الأبدية واجتماع المحب بالحبيب ، وقد يقال : إن المعدود عليهم كذلك هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها . « ومن الإشارة » قول ابن عطاء
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
بالظاهر
فَأَحْياكُمْ
بمكاشفة الأسرار
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عن أوصاف العبودية
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بأوصاف الربوبية ، وقال فارس :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
بشواهدكم
فَأَحْياكُمْ
بشواهده
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عن شاهدكم
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بقيام الحق
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
عن جميع ما لكم فتكونون له .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 29 إلى 38 ]

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )