هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
معطوف على قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ
وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على الاستقلال في إفادة ما أفاده ، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى ، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى نعمة من حيث الانتفاع بها ، و
هُوَ
لغير المتكلم والمخاطب ، وفيه لغات : تخفيف الواو مفتوحة ، وحذفها في الشعر ، وتشديدها لهمدان ، وتسكينها لأسد وقيس ، و
هُوَ
عند أهل اللّه تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة ، و
هُوَ
اسم مركب من حرفين الهاء والواو ، و - الهاء - أصل ، و - الواو - زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه ، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلّة مدارا لذكرهم وسراجا لسرهم ، وهو جار مع الأنفاس ، ومسماه غائب عن الحدس والقياس ، وفي « جعل » الضمير مبتدأ والموصول خبرا من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى ، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والانتفاع - أي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض - لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار ، واستدل كثير من أهل السنة - الحنفية ، والشافعية - بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع ، وعليه أكثر المعتزلة ، واختاره الإمام في المحصول ، والبيضاوي في المنهاج .
واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع ك
إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع ، وبأن المراد النفع بالاستدلال ، وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره ، وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر ، وقال قوم بالوقف لتعارض الأدلة عندهم ، واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعا خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا ، ويرده أنها تدل على أن الكل للكل ، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب ، فهناك شبه التوزيع ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل ، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه الساليكوتي ، و
ما
تعم جميع ما في الأرض لأنفسها إذ لا يكون الشيء ظرفا لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر العرش المحيط ، أو تجعل الجهة اعتبارية ، نعم قيل : تعم كل جزء من أجزاء الأرض - فإنه من جملة ضروراتها - ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول : بأن الكلام على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض والأرض - لا أرضى به ، وبعضهم لم يتكلف شيئا من ذلك ، واستغنى بتقدم الامتنان بالأرض في قوله تعالى :
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
[ البقرة : 22 ] و
جَمِيعاً
حال مؤكدة من كلمة « ما » ولا دلالة لها كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معا ، وجعله حالا من ضمير
لَكُمْ
يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم ، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالا من الأرض أيضا
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد - قاله الربيع - أو قصد إليها بإرادته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم : استوى إليه - كالسهم المرسل - إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء - قاله الفراء - وقيل : استولى وملك كما في قوله :
فلما « علونا واستوينا عليهم » * تركناهم صرعى لنسر وكاسر