يعلم المستفهم عنه لأنه - كما في الإتقان - طلب الفهم . أما فهم المستفهم - وهو محال عليه تعالى - أو وقوع فهمه ممن لا يفهم كائنا من كان ولا استحالة فيه منه تعالى ، وكذا لا استحالة في وقوع التعجيب منه تعالى بل قالوا : إذا ورد التعجب من اللّه جل وعلا لم يلزم محذور إذ يصرف إلى المخاطب أو يراد غايته أو يرجع إلى مذهب السلف ، وأتى سبحانه - يتكفرون - ولم يأت بالماضي وإن كان الكفر قد وقع منهم - لأن الذي أنكر الدوام والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون في الكلام توبيخ لمن وقع منه الكفر ممن آمن كأكثر الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم .
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
ما قبل
ثُمَّ
حال من ضمير
تَكْفُرُونَ
بتقدير قد لا محالة خلافا لمن وهم فيه . والمعنى
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
وقد خلقكم ، فعبر عن الخلق بذلك ، ولما كان - مركوزا في الطباع ومخلوقا في العقول - أن لا خالق إلا اللّه كانت حالا تقتضي أن لا تجامع الكفر ، والجمل بعد مستأنفة لا تعلق لها بالحال ولذا غايرت ما قبلها بالحرف والصيغة ، ولك أن تجعل جميع الجمل مندرجة في الحال وهو في الحقيقة العلم بالقصة كأنه قيل :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها ، فلا يضر اشتمالها على ماض ومستقبل ، وكلاهما لا يصح أن يقع حالا ، ورجح هذا جمع محققون ، والحياة قوة تتبع الاعتدال النوعي ويفيض منها سائر القوى ، وقيل : القوة الحساسة والعضو المفلوج حي وإلا لتسارع إليه الفساد ، وعدم الاحساس بالفعل لا يدل على عدم القوة لجواز فقدان الأثر لمانع ، وكأنهم أرادوا من ذلك قوة اللمس لأن مغايرة الحياة لما عداه من الحواس ظاهرة فإنها مختصة بعضو دون عضو ، وأنها مفقودة في بعض أنواع الحيوانات ، وأنه يلزم تعدد الحياة بالنوع في شخص واحد إن قيل بكون الحياة كل واحد منها . وتركبها في الخارج إن أريد مجموعها ، وتطلق مجازا على القوة النامية لأنها من طلائعها ومقدماتها ، وعلى ما يخص الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها ، و - الموت - مقابل لها في كل مرتبة والكل « 1 » في كتاب اللّه تعالى وحياته سبحانه وتعالى صحة اتصافه جل شأنه بالعلم والقدرة أو معنى قائم بذاته تعالى يقتضي ذلك ، وأين التراب من رب الأرباب . ثم إن للناس في المراد بما في الآية الكريمة أقوالا شتى ، والمروي عن ابن عباس ، وابن مسعود ، ومجاهد رضي اللّه تعالى عنهم أن المراد بالموت الأول العدم السابق ، والإحياء الأول الخلق والموت الثاني المعهود في الدار الدنيا ، والحياة الثانية البعث للقيامة ، واختاره بعض المحققين وادعى أن قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
وإسناده آخر الإماتة إليه تعالى مما يقويه ، واختار آخرون أن كونهم أمواتا هو من وقت استقرارهم نطفا في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها ، وأن الحياة « 2 » الأولى نفخ الروح بعد تلك الأطوار ، والإماتة - هي المعهودة - والإحياء بعدها - هو البعث - يوم ينفخ في الصور ولعله أقرب من الأول ، وإطلاق الأموات على تلك الأجسام مجاز إن فسر - الموت - بعدم الحياة عمن اتصف به ، وحقيقة إن فسر بعدم الحياة عما من شأنه ، قاله الساليكوتي ، ويفهم كلام بعضهم : أنه على معنى كالأموات على التفسير الثاني وإن فسر بعدم الحياة مطلقا كان حقيقة وهو المشهور وأبعد الأقوال عندي حمل الموت الأول على المعهود بعد انقضاء الأجل ، والإحياء الأول على ما يكون للمسألة في القبر فيكون قد وضع الماضي موضع المستقبل لتحقق الوقوع ، ثم لا دليل في الآية على المختار لنفي عذاب القبر إذ نهاية ما فيها عدم ذكر الاحياء المصحح له ، ونحن لا نستدل لها
هامش
( 1 ) قال الشيخ : أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز ان يفقد سائر القوى دونها .
كذلك حال اللامسة للإنسان ا ه .
( 2 ) قال اللّه تعالى :قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْوقال سبحانه :أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاوقال عز شأنه :أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِا ه .