تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
والسلام وأنزل الكتب مؤكدا لها ، والناقضون على هذا جميع الكفار . وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره . وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه . والناقضون حينئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلا ، والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول ، وعكس بعض - ولكل وجهة - وقيل : الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها ، وقيل : هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم . و
مِنْ
للابتداء وكون المجرور بها موضعا انفصل عنه الشيء وخرج ، وتدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل ، وفيه إرشاد إلى عدم اكتراثهم بالعهد - فأثر ما استوثق اللّه تعالى منهم نقضوه - وقيل : صلة وهو بعيد ، والميثاق مفعال وهو في الصفات كثير - كمنحار - ويكون مصدرا عند أبي البقاء والزمخشري - كميعاد - بمعنى الوعد ، وأنكره جماعة وقالوا : هو اسم في موضع المصدر كما في قوله :
أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد « عطائك » المائة الرتاعا
ويكون اسم آلة - كمحراث - ولم يشع هذا وليس بالبعيد ، والمراد به ما وثق اللّه تعالى به عهده من الآيات والكتب ، أو ما وثقوه به من القبول والالتزام ، والضمير للعهد لأنه المحدث عنه . ويجوز عوده إلى اللّه تعالى ولم يجوزه الساليكوتي لأن المعنى لا يتم بدون اعتبار العهد فهو أهم من ذكر الفاعل ، ولأن الرجوع إلى المضاف خلاف الأصل ، وأفهم كلام أبي البقاء أن الميثاق هنا مصدر بمعنى التوثقة ، وفي الضمير الاحتمالان فإن عاد إلى اسم اللّه تعالى كان المصدر مضافا إلى الفاعل ، وإن إلى العهد كان مضافا إلى المفعول ، وحديث الرجوع إلى المضاف خصه بعض المحققين في غير الإضافة اللفظية ، وأما فيها فمطرد كثير ، وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤول بمشتق فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم ، والوجه أنها في نية الانفصال
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
ما
المقطوعة موصولة ، أو نكرة موصوفة عند أبي البقاء ، وفي المراد بها أقوال : « الأول » رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قطعوه بالتكذيب والعصيان - قاله الحسن - وفيه استعمال « ما » لمن يعقل بل سيد العقلاء بل العقل « الثاني » القول فإنه تعالى أمر - أن يوصل - بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا ، وظاهر هذا أنها نزلت في المنافقين « الثالث » التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض « الرابع » الرحم والقرابة قاله قتادة ، وظاهره أنه أراد كفار قريش وأشباههم « الخامس » الأمر الشامل لما ذكر مما يوجب قطعه قطع الوصلة بين اللّه تعالى وبين العبد - المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ، ولعل هذا هو الأوجه لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم ولا دليل واضح على الخصوص . ورجح بعضهم ما قبله بأن الظاهر - أن هذا توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق الخلق بعد وصفهم بتضييع حق الحق سبحانه ، وتضييع حقه بنقض عهده وحق خلقه بتقطيع أرحامهم - وليس بالقوي . والأمر القول الطالب للفعل مع علو عند المعتزلة أو استعلاء عند أبي الحسين ، ويفسدهما ظاهر قوله تعالى حكاية عن فرعون :
فَما ذا تَأْمُرُونَ *
[ الأعراف : 110 ، الشعراء : 35 ] ويطلق على التكلم بالصيغة وعلى نفسها ، وفي موجبها خلاف ، وهذا هو الأمر الطلبي . وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به كما سمي الخطب والحال العظيمة شأنا . وهو مصدر في الأصل بمعنى القصد وسمي به ذلك لأن من شأنه أن يقصد . وذهب الفقهاء إلى أن الأمر مشترك بين القول والفعل لأنه يطلق عليه مثل
وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
[ هود : 97 ] . و
أَنْ يُوصَلَ
يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من
ما
أو من ضميره ، والثاني أولى