ارتدع « 1 » ولا رجع عن محبّتكم وولايتكم .
وأرى الناصب على ما هو عليه ممّا وصفته من أفعالهم لو اعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهباً وفضّة أن يزول عن محبّة الطواغيت وموالاتهم إلى موالاتكم ما فعل ولا زال ، ولو ضربت خياشيمه بالسيوف فيهم ، ولو قتل فيهم ما ارتدع ولا رجع ، وإذا سمع أحدهم منقبةً لكم وفضلًا اشمأزّ من ذلك « 2 » وتغيّر لونه ، ورُئي كراهية ذلك في وجهه ، بغضاً لكم ومحبّة لهم .
قال : فتبسّم الباقر عليه السلام ، ثمّ قال : يا إبراهيم ! هاهنا « 3 » هلكت العاملة الناصبة ، تصلى ناراً حامية ، تسقى من عين آنية « 4 » ، و من أجل ذلك قال عزّ وجلّ :
وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً
« 5 »
مَنْثُوراً
« 6 » .
ويحك يا إبراهيم ! أتدري ما السبب والقصّة في ذلك ؟ و ما الّذي قد خفي على الناس منه ؟
قلت : يابن رسول اللَّه ! فبيّنه لي واصرحه وبرهنه .
قال : يا إبراهيم ! إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم يزل عالماً قديماً ، خلق الأشياء من لا شيء ، و من زعم أنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق الأشياء من شيء فقد كفر ، لأنّه لو كان ذلك الشيء الّذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليّته وهويّته كان ذلك أزليّاً ، بل خلق اللَّه عزّ وجلّ الأشياء كلّها من لا شيء .
فكان ممّا خلق اللَّه عزّ وجلّ أرضاً طيّبة ، ثمّ فجّر منها ماءً عذباً زلالًا ، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها ، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبّقها وعمّها ، ثمّ نضب ذلك الماء عنها « 7 » ، وأخذ من صفوة ذلك الطين طيناً فجعله طين الأئمّة ، ثمّ أخذ ثفل ذلك الطين فخلق منه شيعتنا ، ولو ترك طينتكم يا إبراهيم ! على حاله كما ترك طينتنا ، لكنتم ونحن شيئاً واحداً .
قلت : يابن رسول اللَّه ! فما فعل بطينتنا ؟
هامش
( 1 ) - في نسخة : ما ابتدع .
( 2 ) - أي انقبض ونفر كراهة منه .
( 3 ) - في المصدر : من هاهنا .
( 4 ) - أي : بلغ إناه في شدّة الحرّ .
( 5 ) - الهباء : دقاق التراب و ما نبت في الهواء ، فلا يبدو إلّافي أثناء ضوء الشمس في الكوة .
( 6 ) - الفرقان : 23 .
( 7 ) - أي : نزح ماؤه ونشف .