نظاما مترابطا في عالم الوجود لا يمكن تصور تشكيله إلا بوجود علم وقدرة
مطلقين ، بالإضافة إلى أن وجود الحياة والموت بحد ذاته دليل على أن
موجودات هذا العالم لا تملك زمام أنفسها ناهيك عما هو بأيديها ، وأن الوارث
الحقيقي لكل شئ هو الله تعالى .
ثم يضيف : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين .
أي ، نحن على علم بهم وبما يعملون ، وإن أمر محاسبتهم وجزائهم في المعاد
علينا سهل يسير .
ولهذا ، نرى الآية التي تليها : وإن ربك هو يحشر هم إنه حكيم عليم
مرتبطة تماما مع ما قبلها ومتممة من خلال طرحها مسألة ما سيكون بعد
الموت . . فحكمة الباري أوجبت أن لا يكون الموت نهاية لكل شئ .
فلو أن الحياة انحصرت بهذه الفترة الزمنية المحدودة وينتهي كل شئ
بالموت لكانت عملية الخلق عبثا ، وهذا غير معقول ، لأنه تعالى منزه عن العبث .
فالحكمة الإلهية اقتضت من " حياة الدنيا أن تكون مرحلة استعداد لمسيرة
دائمة نحو المطلق " ، وبتعبير آخر . مقدمة لحياة أبدية خالدة . وأما كونه سبحانه
عليما . . فهو عليم بصحائف أعمال الجميع المثبتة في قلب هذا العالم الطبيعي من
جهة ، وكذلك في أعماق وجود الانسان من جهة أخرى ، ولا تخفى عليه خافية
يوم يقوم الحساب .
وكونه سبحانه الحكيم العليم في هذا المورد دليل قوي وعميق الغور على
مسألة الحشر والمعاد .
* * *
2 بحث
3 من هم المستقدمون والمستأخرون ؟
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 58
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٨