لم تكن في الإنسان بصورة فعلية حين ولادته ، وإنما على شكل استعداد ووجود
بالقوة .
وبعبارة أخرى : إننا عند الولادة نكون في غفلة عن كل شئ حتى عن أنفسنا
التي بين جنبينا ، إلا أن مسألة إدراك الحقائق تكمن فينا بصورة القوة لا الفعل ،
وبالتدريج تحصل لأعيننا قوة النظر ولآذاننا قوة السمع ولعقولنا القدرة على
الإدراك والتجزئة والتحليل ، فننعم بهذه العطايا الإلهية الثلاث التي بواسطتها
نستطيع أن ندرك كثيرا من التصورات ونودعها في العقل لكي ننشئ منها مفاهيم
كلية ، ومن ثم نصل إلى الحقائق العقلية بطريق ( التعميم ) و ( التجريد ) .
وتصل قدرتنا الفكرية إلى إدراك أنفسنا ( باعتبارها علما حضوريا ) ومن ثم
تتحرر العلوم التي أودعت فينا قوة لتصبح علوما بالفعل ، ونجعل بعد ذلك من
العلوم البديهية والضرورية سلما للوصول إلى العلوم النظرية وغير البديهية .
وعلى هذا . . فالعموم والكلية التي نطقت بها الآية ( من أننا لا نعلم شيئا عند
الولادة ) ليس لها استثناء ولا تخصيص .
3 2 - نعمة وسائل المعرفة
مما لا شك فيه عدم امكانية استيعاب ودخول العالم الخارجي في وجودنا ،
والحاصل الفعلي هو رسم صورة الشئ الخارجي المراد في الذهن وبواسطة
الوسائل المعينة لذلك ، وعليه . . فمعرفتنا بالعالم الخارجي تكون عن طريق أجهزة
خاصة منها السمع والبصر .
وتنقل هذه الآلات والأجهزة كل ما تلتقطه من الخارج لتودعه في أذهاننا
وعقولنا ، ونقوم بواسطة العقل والفكر بعملية التجزئة والتحليل . .
ولذلك بينت الآية مسألة عدم علم الإنسان المطلق حين الولادة : وجعل
لكم السمع والأبصار والأفئدة لكي تحصلوا على حقائق الوجود وتدركوها .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 274
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٧٤