3 2 - ثواب الإخلاص
كما أشرنا في تفسير الآيات المتقدمة ، فإن القرآن المجيد عزا نجاة يوسف -
من هذه الأزمة الخطرة التي أوقعته امرأة العزيز فيها - إلى الله ، إذ قال : كذلك
لنصرف عنه السوء والفحشاء .
ولكن مع ملاحظة الجملة التي تليها : إنه كان من عبادنا المخلصين تتجلى
هذه الحقيقة ، وهي أن الله سبحانه لا يترك عباده المخلصين في اللحظات المتأزمة
وحدهم . . ولا يقطع عنهم إمداداته المعنوية . . بل يحفظ عباده بألطافه الخفية .
وهذا الثواب في الواقع هو ما يمنحه الله جل جلاله لأمثال هؤلاء العباد ، وهو
ثواب الطهارة والتقوى والإخلاص .
وهناك مسألة جديرة بالتنويه ، وهي أن يوسف " من عباد الله المخلصين "
ومفرد الكلمة " مخلص " على وزن " مطلق " وهو اسم مفعول . ولم تأت الكلمة
على وزن اسم الفاعل أي " مخلص " على وزن " محسن " .
والدقة في آيات القرآن تكشف عن أن كلمة " مخلص " ( بكسر اللام ) غالبا
ما تستعمل في مراحل تكامل الإنسان الأولى وفي حال بناء شخصيته ، كقوله
تعالى : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ( 1 ) .
وكقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ( 2 ) .
غير أن كلمة " مخلص " بفتح اللام استعملت في المرحلة العالية . . التي
تحصل بعد مدة مديدة من جهاد النفس ، تلك المرحلة التي ييأس الشيطان فيها
من نفوذه ووسوسته داخل الإنسان ، وفي الحقيقة تكون نفس الإنسان مؤمنا
عليها من قبل الله ، يقول القرآن في هذا الصدد : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين
هامش
1 - العنكبوت ، 65 .
2 - البينة ، 5 .