تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
وإنما قال : وفوض إليكم إعمار الأرض واستعمركم فيها وهي إشارة إلى أن الوسائل معدة فيها لكل شئ وعليكم إعمارها بالعمل والسعي المتواصل والسيطرة على مصادر الخيرات فيها . وبدون ذلك لاحظ لكم في الحياة الكريمة . كما يستفاد ضمنا أنه ينبغي من أجل الإعمار أن يعطي المجال لأمة معينة في العمل ، وتجعل الأسباب والوسائل اللازمة تحت تصرفها وفي اختيارها . فإذا كان الأمر كذلك فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب لدعواتكم . 3 الاستعمار في القرآن وفي عصرنا الحاضر : لاحظنا في الآيات المتقدمة أن نبي الله " صالحا " من أجل هداية وتربية قومه الضالين " ثمود " ذكرهم بعظيم خلق الله لهم من التراب . . وتفويض إعمار الأرض إليهم إذ قال : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . . . . لكن هذه الكلمة مع جمالها الخاص وجذابيتها التي تعني العمران وتفويض الاختيارات وإعداد الوسائل اللازمة وتهيأتها ، تبدلت هذه الكلمة في عصرنا إلى درجة أنها مسخت وأصبحت تعطي معنى معاكسا لمفهوم القرآن تماما . وليست كلمة الاستعمار وحدها انتهت إلى هذا المصير المشؤوم ، فهناك كلمات كثيرة في العربية وفي لغات أخرى مسخت وحرفت وتبدلت وانقلبت رأسا على عقب ، مثل كلمات " الحضارة " و " الثقافة " و " الحرية " وفي ظلال هذه التحريفات تأخذ هذه الكلمات وأمثالها طريقها إلى التغرب والبعد عن معناها ، وتتحول لعبادة المادة وأسر الناس وإنكار الحقائق والتوغل في كل أنواع الفساد وما إلى ذلك . وعلى كل حال ، فإن معنى " الاستعمار " في عصرنا ومفهومه الواقعي هو " استيلاء الدول العظمى السياسية والصناعية على الأمم المستضعفة قليلة القدرة ،