الامر الوارد لا مط فليس من الحمل على مشقّة لم يدل الشرع عليه فليس فيه ريبة وخوف مؤاخذة
قوله فلا يبقى لنا ريبة اه
حاصله ان ارتكاب الشبهة انما يكون مريبا حيث لم يأذن فيه الشارع وقد ثبت الرّخصة بأدلة البراءة من الآيات والعقل النافي للمؤاخذة والعقوبة عنه فلا ريبة فيه لندعه إلى الاجتناب عنه فلا بدّ من حمل الخبر على غير صور الشك في التكليف من الشك في المكلّف به بعد القطع بالتكليف حيث لم يكن آئلا إلى الشكّ في التكليف
قوله لا بما يوجب الشكّ اه
منشأ هذا الاشكال جعل البراءة متعلّق الشكّ واليقين وليس بلازم بل الظاهر انّ متعلقهما المؤاخذة والعقوبة وانّ المراد من الشكّ ما يبلغ الخوف ولا ريب ان الاتيان بما خالف الاحتياط في كل من الشك في التكليف والشكّ في المكلف به مطلقا ما يوجب خوف المؤاخذة على مخالفة الواقع المحتمل تحققها في العمل بخلاف الاحتياط واختيار ما وافق الاحتياط تركا أو فعلا لا يوجب خوف المؤاخذة بل يوجب يقين عدمها لمكان يقين موافقة الواقع والوصول اليه فلا حاجة إلى ارتكاب خلاف ظاهر بالحمل على إرادة ما يبدل يقين عدم حصول المأمور به بالشكّ في حصوله ليكون مفاد الرواية في الشك في المكلّف به وجوب عدم الاتيان بشيء حتى يبقى يقين عدم الحصول على حاله أو يلزم التفكيك بين الريبتين فلا داعى إلى حملها على إرادة ما لا يوجب التهمة وبما بيّنّاه علم أنها لا تشمل ما يحتمل الاستحباب أو الكراهة إذ لا مؤاخذة فيهما فلا حاجة إلى تخصيص واخراج للمستحب والمكروه ولا إلى ارتكاب تجوّز بإرادة مطلق الرجحان لأجل ذلك
قوله يأتي عنكم الخبران أو الحديثان اه
هذا الترديد لعله ليس من السائل بل من الراوي عنه لما اشتبه عنده ما سمعه من السائل أو ان الحديث أريد به نفس الكلام المسموع من المعصوم واطلاقه عليه شايع والخبر أريد به الكلام الحاكي لذلك الكلام
قوله انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له اه
يمكن فرض مثال الاوّل فيما لو تعارض خبر ان في مسئلة تخلل حدث أصغر في أثناء غسل الجنابة بدلالة أحدهما على التوضّؤ له بعد اتمام الغسل ثم تجديد والآخر على التوضى بعد استيناف الغسل ومثال الثاني فيما تعارضا في مسئلة نسيان الفائتة مثلا بدلالة أحدهما على الاكتفاء بواحدة تخييرا والآخر على الاتيان بثلث
قوله وذلك لأنه لا يقدر على الاحتياط معها اه
كأنه ع فرضها في الغافل الغير الملتفت والا فالجاهل الشاك قادر على الاحتياط ولكن الغفلة يمكن فرضها مع الجهل بالموضوع أيضا وبالجملة من علم الحكم وشكّ في الموضوع مع من علم الموضوع وشكّ في الحكم سيّان في القدرة على الاحتياط
قوله فلا يجوز العمل بالأصل من دون فحص اه
هذا في الشبهات الحكمية كما يعطيه سياق عبارة المص وعدم جواز العمل به قبل استفراغ الوسع في الأدلة اجماعى محصّلا ومنقولا ولقضاء العقل المستقل بعدم كون الجهل المتوسّط بين العلم الاجمالي والتمكن من العلم التفصيلي عذرا فيصحّ المؤاخذة والعقوبة على المخالفة الناشية من هذا الجهل ولبناء العقلاء على الفحص والسّؤال عند العلم الاجمالي والتمكن من العلم التفصيلي وعدم البناء على أصل البراءة من غير فحص كما يكشف عنه طريقتهم في النظر في الطومار الصادر من السيّد والسّلطان إلى العبيد والرعيّة مع أنه لولاه لزم الهرج والمرج في الدين وعدم التدين بشريعة سيّد المرسلين بل ويلزم المخالفة القطعيّة في الوقائع المعلومة بالاجمال مضافا إلى الأوامر الواردة بتعلّم الاحكام والتفقه في الدّين والسّؤال فيما لا يعلم كتابا وسنة كقوله تعالى
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
الآية وقوله أيضا
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
وقوله ع طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة إلى غير ذلك من الروايات المتواترة عن أهل بيت العصمة ع وقضية هذه الأدلة كلها كون موضوع أصل البراءة في الشبهات الحكميّة هو العجز عن العلم بالحكم الواقعىّ ولا يحرز الا بالفحص فيجب وبالجملة أصل البراءة انما يعمل به عند الاضطرار وانقطاع اليد عن الدليل والياس عن وجوده ولا يعلم ذلك الا بالفحص وبالتأمل فيما ذكرنا يعلم أن الفحص يترتب عليه فائدتان متبادلتان إحداهما تحصيل العلم بالحكم الواقعي وأخراهما احراز موضوع أصل البراءة فمن حيث يقصد به الفائدة الأولى يراد بوجوبه الوجوب الشرعي المتضمن المطلب الحتمي باعتبار كونه مقدمة لتحصيل العلم الواجب عليه ومن حيث يقصد به الفائدة الثانية يراد بوجوبه الوجوب الشرطي المعرى عن الطلب لعدم واجب على هذا التقدير ليجب مقدمته فالوجوب المبحوث عنه هنا يراد به المعنى الدائر الأعم بين النوعين وانما قيدناه بالشبهات الحكميّة لعدم وجوبه في العمل بأصل البراءة في الشبهات الموضوعيّة اجمالا محصّلا ومنقولا فالفحص