للدليل عند الأصوليّين بالعالم ما لا يخفى فان العالم في دليل اثبات الصانع من قبيل الأصغر والمعهود من الأصوليين كما أشرنا في الحاشية السابقة اطلاقه على الأوسط لأنه الجزء الأعظم من المركب باعتبار كونه طرفا للملازمتين المأخوذتين في الصّغرى والكبرى اللتين يتولّد منهما ملازمة ثالثة وهي الملازمة بين الأصغر والأكبر التي يقال لها النتيجة والأدلة الفقهية من الكتاب والسّنة والاجماع والعقل التي استشهد بها لاطلاق الدليل عند الأصوليين على المفرد كلها أوساط كما يظهر وجهه بأدنى تأمل والظاهر أن الذي أوجب لاختلاط الامر عليه هو ما شاع عند المتكلمين وغيرهم من أهل الاسلام من الاستدلال لاثبات الصانع بالمصنوعات التي هي اجزاء العالم بمعنى ما سوى اللّه تعالى فزعم انّها بعنوان انها العالم دليل على وجود الصانع ويزيفه انها انما تنهض دليلا عليه لمصنوعيتها التي هي عبارة أخرى من كونها أمورا حادثة لا لذواتها فالدليل عليه في الحقيقة هو حدوثها لا ذواتها ولا ريب ان الحدوث من قبيل الأوسط ولذا كان هو المتكرر في القياس الذي مثل به للدليل عند المنطقيين فالتمثيل له عند الاصوليّين بالعالم الذي هو في ذلك القياس من قبيل الأصغر ليس بسديد الا ان يؤجّه بانّ العالم باعتبار لزومه الحدوث دليل على وجود الصانع لا لذاته فالدليلية وصف اللازم وهو الحدوث لا الملزوم نفسه وهو العالم ويشكل بان الحادث لازم للأصغر وهو العالم وملزوم للأكبر وهو وجود صانع له وانما يكون دليلا إذا اخذ بالاعتبارين لا بالاعتبار الأول فقط بل الانصاف على ما يساعد عليه ظاهر اطلاقاتهم كونه دليلا إذا اخذ بالاعتبار الثاني فقط كما يرشد اليه اطلاقهم الدليل على كل من الأربع التي كلها أوساط مأخوذة بهذا الاعتبار لا غير
قوله وهو يشمل الامارة أيضا اه
والفرق بينها وبين الدليل بحسب الاصطلاح المنطقي ان ملزوم العلم دليل وملزوم الظن امارة ويطلق الدليل بحسب الاصطلاح الأصولي على ما يعمّ الأدلة العلمية والأدلة الظنية والتعريف المذكور يشملها وهو المراد من قوله وهو يشمل الامارة أيضا وقد يخصّ الامارة عند الأصوليين بما يستعمل في الموضوعات الخارجية كاليد والبينة وقول ذي اليد وقول أهل الخبرة وما أشبه ذلك
قوله يستلزم لذاته قولا آخر اه
افراد الضميرين مع تثنية المرجع كأنه لرعاية المعنى فان القولين باعتبار قول الدليل عليهما وهو مفرد في معنى المفرد ويجوز عودهما إلى مجموع القولين من حيث المجموع وهو أيضا معنى مفرد ولكن فيه نوع استخدام
قوله وذلك يختصّ بالبرهان اه
وهو ما يفيد اليقين وهو الاعتقاد الجازم المطابق الثابت وينقسم إلى اليقينيات الضروريّة وهو ما يفيد اليقين ابتداء وبلا واسطة والضروريّات ستة مشهورة وهي الاوّليات والمشاهدات المنقسمة إلى الحسّيّات والوجدانيات والتجربيّات والحدسيّات والمتواترات والفطريّات وإلى اليقينيات اليقينيات النظرية وهو ما يفيد اليقين بواسطة يقال لها الحدّ الوسط فإن كان مع كونه علّة لوجود الأكبر في الذهن علة لوجوده في الخارج أيضا فهو برهان لمىّ كتعفّن الاخلاط اللحمي في قولك هذا متعفن الاخلاط وكل متعفن الاخلاط محموم فهذا محموم وان لم يكن علة لوجوده في الخارج امّا بان يكون معلولا منه كالحمى لتعفن الاخلاط في قولك هذا محموم وكل محموم متعفن الاخلاط فهذا متعفن الاخلاط أو يكونا معا معلولين لعلة ثالثة كسرعة البعض والحمّى في قولك هذا سريع نبضه وكلّ سريع نبضه ومحموم فهذا محموم فهو برهان انى وانّما خصّ التعريف بالبرهان لزعم ان قيد لذاته أريد به إفادة كون الأوسط بذاته وحقيقته علة تامة للأكبر أو بالعكس كما في المثالين فيخرج به ما ليس كذلك كالمقدمات الظنية ولو بظنية إحداها كالكبرى في قولك هذا غيم رطب وكلّ غيم رطب ينزل الغيث ونحوه قولك هذا الجدار ينتشر منه التراب وكل جدار ينتشر منه التراب ينهدم فان الغيم الرطب ليس علّة تامّة لنزول الغيث ولا انتشار التراب علة تامة للانهدام بل يغلب معهما نزول الغيث والانهدام ولذا قد يتخلّف منهما النزول والانهدام وهذا آية عدم العلّية التامة وان للأمور الخارجة عن الذات والحقيقة أيضا مدخلية في التأثير فبملاحظة المقدمتين مع ظنية إحداهما باعتبار الغلبة يحصل الظن بالنتيجة وبملاحظة عدم العلية التامة يحتمل الخلاف ولذا قد يزول الظن عن النتيجة الظنية بتبيّن خلافها كما في مادة التخلف ويبقى سببه وهو المقدمتان بحاله وفيه نظر لان القيد نظير مثله في تعريف السّبب عند الأصوليين بما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته ومعناه ان السّبب ما كان تامة مقتضية للزوم وجود المسبب من وجوده ولزوم عدمه من عدمه
و