الانحراف المعنوي بها في المنابع الديني ؛ فاشتدّت الحاجة إلى تدوين قواعد اللغة العربيّة وهذا « عامل اجتماعي » لتدوينه ، مضافا إلى أنّ كلّ لغة يحتاج في حفظ أصالتها وبقاءها في طول الأزمنة المتوالية إلى قواعد مدوّنة مضبوطة وهذا « عامل علميّ » فأسّس أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أساس علم النحو وأبدء نشأته العلميّة حين سأله أبو الأسود الدُّئلي عنه عليه السّلام حيث قال عليه السّلام له :
الكلمة كلّه اسم وفعل وحرف ؛ الاسم ما أنبأ عن المسمّى والفعل ما أنبىء به ، والحرف ما أفاد معنى .
واعلم أنّ الأسماء ثلاثة : ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر . وإنّما يتفاضل النّاس فيما ليس بظاهر ولا مضمر والرفع للفاعل والنصب للمفعول والجرّ للمجرور .
ثمّ أضاف عليه السّلام قواعد باب الاستفهام والنعت والحروف المشبّهة بالفعل . « 1 » وأبو الأسود تبع كلامه عليه السّلام وبسط هذه القواعد المأخوذة من كلام العرب ودوّنها فتولّد علم النحو العربي في القرن الأوّل الإسلامي وارتقاه ووسّعه تلامذة أبي الأسود والسلسلة الآتية بعدها فتكامل مرحلة بعد أخرى . وبما أنّ أبا الأسود رجل بصريّ بدأ علم النحو في البصرة ونشأ البحث حول مسائله وتدوينها فيها ثمّ منها شاع في الكوفة وبعد مدّة في غيرها .
المذاهب النحويّة
تطوّر علم النحو وتكامل بعد تأسيسه وبسطت مباحثه وصنّفت مطالبه ثمّ بدأت المذاهب النحويّة بالآراء المختلفة في مسائله .
وقد تقدّم أنّ أبا الأسود وتلامذته هم أوّل من دوّنوا القواعد النحويّة في البصرة ؛ فالبصريون تقدّموا في التدوين والرأي على الآخرين وظهر فيها نحاة كبراء كعبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي - وهو أوّل من استدلّ على القواعد النحويّة - وميمون الأقرن
و
هامش
( 1 ) . راجع : أعيان الشيعة ، ج 1 ، ص 342 ؛ المعجب في النحو ، ص 3 ؛ حاشية الخضري ، ج 1 ، ص 15 .