تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
إن هذه العبارة يمكن أن يكون لها جانب تهديد في مقابل معارضاتهم ومخالفتهم ، وكأنه يريد أن يقول : أنا أعلم بعقوبات إلهية أليمة تنتظر العصاة لا تعلمون شيئا عنها ، أو تكون إشارة إلى لطف الله ورحمته ، وتعني أنكم إذا أطعتم الله ، وكففتم عن تعنتكم ، فإني أعلم مثوبات عظيمة لكم لا تعلمونها ولم تقفوا لحد الآن على سعتها . أو تكون إشارة إلى أنني إذا كنت قد كلفت بهدايتكم فإنني أعلم أمورا عن الله العظيم وعن أوامره لا تعرفونها ، ولهذا يجب أن تطيعوني وتتبعوني . ولا مانع من أن تكون كل هذه المعاني مقصودة ومجتمعة في مفهوم الجملة الحاضرة . وفي الآية اللاحقة نقرأ لنوح كلاما آخر قاله في مقابل استغراب قومه من أنه كيف يمكن لبشر أن يكون حاملا لمسؤولية إبلاغ الرسالة الإلهية ، إذ قال : أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ، ولتتقوا ولعلكم ترحمون . يعني : أي شئ في هذه القضية يدعو إلى الاستغراب والتعجب ، لأن الانسان الصالح هو الذي يمكنه أن يقوم بهذه الرسالة أحسن من أي كائن آخر . هذا مضافا إلى أن الإنسان هو القادر على قيادة البشر ، لا الملائكة ولا غيرهم . ولكن بدل أن يقبلوا بدعوة مثل هذا القائد المخلص الواعي كذبه الجميع ، فأرسل الله عليهم طوفانا فغرق المكذبون ونجا في السفينة نوح ومن آمن فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا . وفي خاتمة الآية بين دليل هذه العقوبة الصعبة ، وأنه عمى القلب الذي منعهم عن رؤية الحق ، وأتباعه إنهم كانوا قوما عمين ( 1 ) . وهذا العمى القلبي كان نتيجة أعمالهم السيئة وعنادهم المستمر ، لأن
هامش
1 - " عمين " جمع عمي ، وهو يطلق عادة على من تعطلت بصيرته الباطنية ، ولكن الأعمى يطلق على من فقد بصره الظاهري ، وكذلك يطلق على من فقد بصيرته الباطنية أيضا ( وعمي حينما يدخل عليها الإعراب تتبدل إلى عم ) .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 89 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي