تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الدعاء في أعماق روحه ، وعلى جميع أبعاد وجوده ، ويكون اللسان مجرد ترجمانها ، ويتحدث نيابة عن جميع أعضائه . وأمره تعالى - في الآية الحاضرة - بأن يدعى الله " خفية " وفي السر ، لأنه أبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الإخلاص ، ولأجل أن يكون الدعاء مقرونا بتمركز الفكر وحضور القلب . ونحن نقرأ في حديث أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما كان في إحدى غزواته ، ووصل جنود الإسلام إلى واد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير قائلين : " لا إله إلا الله " و " الله أكبر " فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، أما إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا ، إنه معكم " ( 1 ) . كما ويحتمل في هذه الآية أيضا أن يكون المراد من " التضرع " هو الدعاء الظاهر العلني ، والمراد من " الخفية " الدعاء الخفي السري ، لأن لكل مقام اقتضاء خاصا ، فقد يقتضي أن يكون الدعاء علنا ، وربما يقتضي خفية وسرا ، وهناك رواية وردت في ذيل هذه الآية تؤيد هذا الموضوع . ثم قال تعالى في ختام الآية : إنه لا يحب المعتدين أي أن الله لا يحب المعتدين . ولهذه العبارة معنى وسيع يشمل كل نوع من أنواع العدوان والتجاوز ، سواء الصراخ ورفع الصوت عاليا جدا حين الدعاء ، أو التظاهر وممارسة الرياء ، أو التوجه إلى غير الله حين الدعاء . وفي الآية اللاحقة يشير تعالى إلى حكم هو في الحقيقة شرط من شروط تأثير الدعاء ، إذ قال : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . ومن المسلم أن الأدعية إنما تكون عند الله أقرب إلى الإجابة إذا تحققت فيها
هامش
1 - مجمع البيان ، المجلد الرابع ، الصفحة 429 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 79 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي