تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي ( 1 ) . إن هذه الآية تفيد بوضوح أن موسى عند رجوعه إلى قومه من الميقات وقبل أن يلتقي ببني إسرائيل كان غضبان أسفا ، وهذا لأجل أن الله تعالى كان قد أخبر موسى ( عليه السلام ) بأنه اختبر قومه من بعده وقد أضلهم السامري قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك فأضلهم السامري ( 2 ) . ثم إن موسى ( عليه السلام ) قال لهم : أعجلتم أمر ربكم . للمفسرين كلام كثير في تفسير هذه الجملة ، وقد ذكروا احتمالات عديدة مختلفة ، إلا أن ظاهر الآيات يفيد أن المراد هو أنكم تعجلتم في الحكم بالنسبة إلى أمر الله تعالى في قضية تمديد مدة الميقات من ثلاثين إلى أربعين ، فاعتبرتم عدم مجيئي في المدة المقررة - أولا - دليلا على موتي ، في حين كان يتعين عليكم أن تتريثوا وتنتظروا قليلا ريثما تمر أيام ثم تتضح الحقيقة . وفي هذا الوقت بالذات ، أي عندما واجه موسى ( عليه السلام ) هذه الأزمة الخطيرة من حياة بني إسرائيل ، وكان الغضب الشديد يسر بل كل كيانه ، ويثقل روحه حزن عميق ، وقلق شديد على مستقبل بني إسرائيل ، لأن التخريب والإفساد أمر سهل ، وربما استطاع شخص واحد تخريب كيان عظيم ولكن الإصلاح والتعمير أمر صعب وعسير جدا . خاصة أنه إذا سرت في شعب جاهل متعنت نغمة مخالفة شاذة ، وافقت هوى ورغبة ، فإن محوها لا شك لن يكون أمرا ممكنا وسهلا . فهنا لا بد أن يظهر موسى ( عليه السلام ) غضبه الشديد ويقوم بالحد الأعلى من رد الفعل والسخط ، كي يوقظ الأفكار المخدرة لدى بني إسرائيل ، ويوجد انقلابا في
هامش
1 - " الأسف " كما يقول الراغب في " المفردات " بمعنى الحزن المقرون بالغضب ، وهذه الكلمة قد تستعمل في أحد المعنيين أيضا . وتعني في الأصل أن ينزعج الإنسان من شئ بشدة ، ومن الطبيعي أن هذا الانزعاج إذا كان بسبب من هو دونه ظهر مقرونا بالغضب ، وبردة فعل غاضبة ، وإذا كان ممن هو فوقه ممن لا يستطيع مقاومته ظهر من صورة الحزن المجرد ، وقد نقل عن ابن عباس أيضا أن للحزن والغضب أصل واحد وإن اختلفا لفظا . 2 - سورة طه ، 85 .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 227 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي