تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ذلك في صفوف الوثنيين ، والحال ليس كذلك ، بل حيث إن شعيبا لم يكن مكلفا بالتبليغ ، لذلك كان يسكت على أعمالهم ، وكانوا يظنون أنه كان على دين الوثنية ، في حين أن أحدا من النبيين لم يكن وثنيا حتى قبل زمان النبوة ، وإن عقول الأنبياء ودرايتهم كانت أسمى من أن يرتكبوا مثل هذا العمل غير المعقول والسخيف ، هذا مضافا إلى أن هذا الخطاب لم يكن موجها إلى شعيب وحده ، بل يشمل المؤمنين من أتباعه - أيضا - ويمكن أن يكون هذا الخطاب لهم . على أن تهديد المعارضين لم يقتصر على هذا ، بل كانت هناك تهديدات أخرى سنبحثها في سائر الآيات المرتبطة بشعيب . وقد أجابهم شعيب في مقابل كل تهديداتهم وخشونتهم تلك بكلمات في غاية البساطة والرفق والموضوعية ، إذ قال لهم : وهل في إمكانكم أن تعيدوننا إلى دينكم إذا لم نكن راغبين في ذلك : قال أو لو كنا كارهين ( 1 ) ؟ وفي الحقيقة يريد شعيب أن يقول لهم : هل من العدل أن تفرضوا عقيدتكم علينا ، وتكرهوننا على أن نعتنق دينا ظهر لنا بطلانه وفساده ؟ هذا مضافا إلى أنه ما جدوى عقيدة مفروضة ، ودين جبري ؟ ! وفي الآية اللاحقة يواصل شعيب قوله : قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها . إن هذه الجملة في الحقيقة توضيح للجملة السابقة المجملة ، ومفهوم هذه الجملة هو : نحن لم نترك الوثنية بدافع الهوى والهوس ، بل أدركنا بطلان هذه العقيدة بجلاء ، وسمعنا الأمر الإلهي في التوحيد بأذن القلب ، فإذا عدنا من عقيدة التوحيد إلى الشرك - والحال هذه - نكون حينئذ قد افترينا على الله عن وعي وشعور ، ومن المسلم أن الله سيعاقبنا على ذلك بشدة .
هامش
1 - إن في هذه الجملة حذفا وتقديرا ، فالكلام في الأصل على هذه الصورة : " أتردوننا في ملتكم ولو كنا كارهين " .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 116 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي