تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
الجنسية ، والقضاء على الهدف الأصلي ، وهو استمرار النسل البشري . ثم يقول تعالى في نهاية الآية : بل أنتم قوم مسرفون أي تجاوزتم حدود الله ، ووقعتم في متاهة الانحراف والتجاوز عن حدود الفطرة . ويمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى أنهم لم يسلكوا سبيل الإسراف في مجال الغريزة الجنسية فحسب ، بل تورطوا في مثل هذا الانحراف والإسراف في كل شئ ، وفي كل عمل . والجدير بالذكر أن الآية الأولى ذكرت الموضوع بصورة مجملة ، ولكن الآية الثانية ذكرته بصورة مبينة وواضحة ، وهذا هو أحد فنون البلاغة عند بيان القضايا الهامة ، فإذا فعل أحد عملا شيئا قال له مرشده ووليه الواعي الحكيم ، لبيان أهمية الموضوع : أنت ارتكبت ذنبا عظيما ، فإذا قال له الشخص ، ماذا فعلت ؟ يقول له مرة أخرى : أنت ارتكبت ذنبا عظيما ، وفي المآل يكشف القناع عن فعله ويشرحه . إن هذا النوع من البيان يهئ فكر الطرف الآخر ونفسه للوقوف تدريجا على شناعة عمله القبيح وخطورته ، وهو أبلغ في التأثير . وفي الآية اللاحقة أشار القرآن الكريم إلى الجواب المتعنت وغير المنطقي لقوم لوط ، وقال : إنهم لم يكن لديهم أي جواب في مقابل دعوة هذا النبي الناصح المصلح ، إلا أن قالوا : أخرجوا لوطا وأتباعه من مدينتكم . ولكن ما كان ذنبهم ؟ إن ذنبهم هو أنهم كانوا جماعة طاهرين لم يلوثوا أنفسهم بأدران المعصية وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون . وهذا ليس موضع تعجب واستغراب أن يطرد جماعة من العصاة الفسقة أشخاصا طاهرين لا لشئ إلا لأنهم أنقياء الجيب ، يجتنبون المنكرات ، وذلك لأن هؤلاء القوم يعتبرون هؤلاء مزاحمين لشهواتهم ، فكانت نقاط القوة لدى أولئك الأطهار نقاط ضعف وعيب في نظرهم .