الحديثة ، أنه تعبير ينسجم مع أدق النظريات العلمية الحديثة عن تكون العالم ، لقد
أظهرت دراسات العلماء أن العالم الكبير ( الكون ) والعالم الصغير ( المنظومة
الشمسية ) كانت كلها كتلة واحدة تشققت على أثر الانفجارات المتتالية ، وتكونت
المجرات والمنظومات والكرات ، وفي الآية ( 30 ) من سورة الأنبياء بيان أوضح
لهذا الأمر : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما .
والنقطة الأخرى التي ينبغي ألا نغفل عنها في هذه الآية هو أنها تقتصر على
توكيد اتصاف الله باطعام مخلوقاته ورزقهم ، ولعل ذلك إشارة إلى أن أقوى
حاجات الإنسان في حياته المادية هي حاجته إلى " لقمة العيش " كما يقال ، وهذه
اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوة ، وقد يصل
خضوعهم لأولئك حد العبودية ، ففي هذا يقرر القرآن رزق الناس بيد الله لا بيد
هؤلاء ولا بيد الأصنام ، فأصحاب المال والقوة هم أنفسهم محتاجون إلى الطعام ،
وأن الله هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إلى طعام .
وفي آيات أخرى نرى القرآن يؤكد مالكية الله ورازقيته بإنزال الأمطار
وإنبات النباتات ، وذلك لكي يزيل من أذهان البشر كليا فكرة اعتمادهم على
مخلوقات مثلهم .
ثم للرد على أولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول الله إلى الانضمام
إليهم ، يؤكد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء انطلاقا من مبدأ نهي الوحي
الإلهي عن ذلك ، إضافة إلى نهي العقل : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم
ولا تكونن من المشركين ( 1 ) .
لا شك أن أنبياء الله والصالحين من أقوامهم سبقوا النبي الخاتم في
هامش
1 - جملة إني أمرت . . . من قبيل الخطاب غير المباشر ، وجملة " ولا تكونن " خطاب مباشر ، ولعل هذا الانتقال يقصد به
القول بأن الابتعاد عن الشرك واستنكاره أهم بكثير من أن يكون المرء أول المسلمين ، ولذا جاء موضوع تجنب الشرك في
خطاب مباشر ومؤكد بنون التوكيد الثقيلة .