صحّحها قبول القلب . هذا توحيد العامّة ، الذى يصحّ بالشواهد . و الشواهد هى الرسالة و الصنائع ، يجب بالسمع ، و يوجد بتبصير الحقّ ، و ينمو على مشاهدة الشواهد . و أمّا التوحيد الثانى الذى يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصّة . و هو إسقاط الأسباب الظاهرة ، و الصعود عن منازعات العقول ، و عن التعلّق بالشواهد . و هو أن لا تشهد فى التوحيد « 1 » دليلا ، و لا فى التوكّل سببا ، و لا للنجاة وسيلة ؛ فتكون مشاهدا سبق الحقّ بحكمه و علمه و وضعه الأشياء مواضعها و تعليقه إيّاها بأحايينها و إخفائه ايّاها فى رسومها ، و تحقّق معرفة العلل ، و تسلك سبيل إسقاط الحدث . هذا توحيد الخاصّة ، الذى يصحّ بعلم الفناء ، و يصفو فى علم الجمع ، و يجذب إلى توحيد أرباب الجمع . و أمّا التوحيد الثالث فهو توحيد اختصّه الحقّ لنفسه ، و استحقّه بقدره ، و ألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته ، و أخرسهم عن نعته ، و أعجزهم عن بثّه . و الذى يشار به إليه على ألسن المشيرين : أنّه إسقاط الحدث و إثبات القدم . على أنّ هذا الرمز فى ذلك التوحيد علّة ، لا يصحّ ذلك التوحيد إلّا باسقاطها .
هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق ، و إن زخرفوا له نعوتا ، و فصّلوه فصولا ؛ فانّ ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاء ، و الصفة نفورا ، و البسط صعوبة . و إلى هذا التوحيد شخص أهل الرياضة و أرباب الأحوال « 2 » ؛ و له قصد اهل التعظيم ؛ و إياه عنى المتكلّمون فى عين الجمع . و عليه تصطلم الإشارات ؛ ثمّ لم ينطق عنه لسان ؛ و لم تشر إليه عبارة . فإنّ التوحيد وراء ما يشير إليه مكوّن ، أو يتعاطاه حين ، أو يقلّه سبب . و قد أجبت فى سالف الزمان ، سائلا سألنى عن توحيد الصوفية بهذه القوافى الثلاث :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحّده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيده إيّاه توحيده * و نعت من ينعته لاحد
هامش
( 1 ) - م خ : الوجود .
( 2 ) - ب ، ه + : و المقامات .