تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
حيث تقول الآية الكريمة : فلا تأس على القوم الفاسقين . وربما كان سبب ورود الجملة الأخيرة ، هو أن موسى ( عليه السلام ) قد ثارت عاطفته بعد أن علم بالعذاب الذي كتبه الله على بني إسرائيل ، فطلب من الله العفو لقومه - كما ورد في التوراة المتداولة - فأجابه برد سريع أوضح له أن بني إسرائيل يستحقون ذلك العذاب ، وهم لا يستحقون العفو الإلهي لأنهم أناس فاسقون وعصاة ، متكبرون ، ومن كان هذا شأنه سيلاقي - حتما - مثل هذا المصير . ويجب الانتباه إلى أن حرمان بني إسرائيل من الدخول إلى الأرض المقدسة ، لم يكن له طابع للانتقام ( كما أن جميع العقوبات الإلهية ليس فيها طابع إنتقامي ، بل هي إما أن تكون لأجل تقويم شخصية الفرد ، أو تكون نتيجة لأخطائه ومعاصيه . وقد اشتمل هذا الحرمان على فلسفة خاصة ، حيث تحرر بنو إسرائيل بعد معاناة طويلة قاسوها في ظل الكبت والقمع الفرعوني اللذين خلفا فيهم عقد الإحساس باحتقار النفس والذل والضعة والنقص ، لذلك فهم لم يبدوا استعدادا لتطهير أنفسهم وأرواحهم في تلك الفترة بعد التحرر وفي ظل قيادة وزعامة نبيهم موسى ( عليه السلام ) كما لم يكونوا مستعدين لتلك القفزة المعنوية التي كان من شأنها أن تهئ لهم حياة جديدة مقرونة بالفخر والعز والسؤدد ، وجوابهم لموسى ( عليه السلام ) - الذي اشتمل على رفضهم الدخول إلى ميدان الجهاد التحرري في الأرض المقدسة - خير دليل على هذه الحقيقة . لذلك كان من الضروري أن يعاني بنو إسرائيل من التيه والضياع في الصحراء ، ليزول الجيل الضعيف العاجز منهم بشكل تدريجي وليحل محله جيل جديد في محيط الصحراء ، محيط الحرية وفي أحضان التعاليم الإلهية ، وقد صقلت نفوسهم حياة الصحراء القاسية الضارية ، ووهبت لأرواحهم وأنفسهم القوة والقدرة ، وأعدتهم لخوض غمار ذلك الجهاد ليقيموا حكومة الحق في تلك الأرض المقدسة !
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 675 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي