الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء . . .
ولا شك أن هؤلاء لم يكونوا صادقين في نواياهم مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأن الهدف
من نزول الكتاب السماوي هو الإرشاد والهداية والتربية ، وقد يتحقق هذا الهدف
أحيانا عن طريق نزول كتاب كامل من السماء دفعة واحدة ، وأحيانا أخرى
يتحقق الهدف عن طريق نزول الكتاب السماوي على دفعات وبصورة تدريجية .
وبناء على هذا فقد كان الأجدر باليهود أن يطالبوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالدليل
ويسألوه عن تعاليم سامية قيمة ، لا أن يحددوا له طريقة لنزول الكتب السماوية
ويطالبوه بأن ينزل عليهم كتابا الطريقة التي عينوها .
ولهذا السبب فضح الله نواياهم السيئة بعد طلبهم هذا ، وأوضح للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
بأن هذا العمل هو ديدن اليهود ، وأنهم معروفون بصلفهم وعنادهم واختلاقهم
الأعذار مع نبيهم الكبير موسى بن عمران ( عليه السلام ) ، فقد طلب هؤلاء من نبيهم ما هو
أكبر وأعجب إذ سألوه أن يريهم الله جهارا وعلنا ! تقول الآية : فقد سألوا
موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة . . .
وما مصدر هذا الطلب العجيب الغريب البعيد عن المنطق غير الصلف
والعناد ، فهم بطلبهم هذا قد تبنوا عقيدة المشركين الوثنيين في تجسيد الله
وتحديده ، وقد أدى عنادهم هذا إلى نزول عذاب الله عليهم ، صاعقة من السماء
أحاطت بهم لما ارتكبوه من ظلم كبير ، تقول الآية : فأخذتهم الصاعقة
بظلمهم .
ثم تشير الآية إلى عمل قبيح آخر ارتكبه اليهود ، وذلك حين لجؤا إلى عبادة
العجل بعد أن شاهدوا بأعينهم المعجزات الكثيرة والدلائل الواضحة ، فتقول :
ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات . . .
ومع كل هذا الصلف والعناد والشرك ، يريهم الله لطفه ورحمته ويغفر لهم لعلهم
يرتدعوا عن غيهم ، ويهب لنبيهم موسى ( عليه السلام ) ملكا بارزا وسلطانا مبينا ، ويفضح
السامري صاحب العجل ويخمد فتنته وفي هذا تقول الآية : فعفونا عن ذلك
وآتينا موسى سلطانا مبينا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 522
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٢٢