تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء . . . ولا شك أن هؤلاء لم يكونوا صادقين في نواياهم مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأن الهدف من نزول الكتاب السماوي هو الإرشاد والهداية والتربية ، وقد يتحقق هذا الهدف أحيانا عن طريق نزول كتاب كامل من السماء دفعة واحدة ، وأحيانا أخرى يتحقق الهدف عن طريق نزول الكتاب السماوي على دفعات وبصورة تدريجية . وبناء على هذا فقد كان الأجدر باليهود أن يطالبوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالدليل ويسألوه عن تعاليم سامية قيمة ، لا أن يحددوا له طريقة لنزول الكتب السماوية ويطالبوه بأن ينزل عليهم كتابا الطريقة التي عينوها . ولهذا السبب فضح الله نواياهم السيئة بعد طلبهم هذا ، وأوضح للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأن هذا العمل هو ديدن اليهود ، وأنهم معروفون بصلفهم وعنادهم واختلاقهم الأعذار مع نبيهم الكبير موسى بن عمران ( عليه السلام ) ، فقد طلب هؤلاء من نبيهم ما هو أكبر وأعجب إذ سألوه أن يريهم الله جهارا وعلنا ! تقول الآية : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة . . . وما مصدر هذا الطلب العجيب الغريب البعيد عن المنطق غير الصلف والعناد ، فهم بطلبهم هذا قد تبنوا عقيدة المشركين الوثنيين في تجسيد الله وتحديده ، وقد أدى عنادهم هذا إلى نزول عذاب الله عليهم ، صاعقة من السماء أحاطت بهم لما ارتكبوه من ظلم كبير ، تقول الآية : فأخذتهم الصاعقة بظلمهم . ثم تشير الآية إلى عمل قبيح آخر ارتكبه اليهود ، وذلك حين لجؤا إلى عبادة العجل بعد أن شاهدوا بأعينهم المعجزات الكثيرة والدلائل الواضحة ، فتقول : ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات . . . ومع كل هذا الصلف والعناد والشرك ، يريهم الله لطفه ورحمته ويغفر لهم لعلهم يرتدعوا عن غيهم ، ويهب لنبيهم موسى ( عليه السلام ) ملكا بارزا وسلطانا مبينا ، ويفضح السامري صاحب العجل ويخمد فتنته وفي هذا تقول الآية : فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 522 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي