تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 720

مساهمون:

ص٧٢٠
والجدير بالذكر أن القرآن استخدم للتعبير عن الردة إلى الجاهلية كلمة ش انقلبتم على أعقابكم و " الأعقاب " جمع عقب ( وزان خشن ) بمعنى مؤخرة القدم ، فهو تعبير موح يصور التراجع إلى الوراء والارتداد الواقعي ، وهو أكثر إيحاءا وأقوى تصويرا من لفظة الردة والرجوع والعودة ، لأنه بمعنى السير القهقري . ثم إنه سبحانه يقول : ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا يعني أن العودة إلى الكفر والوثنية تضركم أنتم دون الله سبحانه ، لأن أمثال هذا التراجع لا يعني سوى توقفكم في طريق الخير والسعي نحو السعادة الكاملة ، بل فقدان كل ما حصلتموه من العزة والكرامة والمجد بسرعة . ثم إنه لما كان هناك - في معركة أحد - أقلية استمرت على جهادها رغم الصعوبات ، وانتشار الخبر المفجع عن مقتل الرسول ، كان من الطبيعي أن ينال صمودهم هذا وثباتهم التقدير اللائق ، ولهذا قال سبحانه : وسيجزي الله الشاكرين وبذلك مدح القرآن الكريم استقامتهم وصمودهم ، ووصفهم بالشاكرين لأنهم أحسنوا الاستفادة والانتفاع بالنعم في سبيل الله ، وهذا أفضل مصاديق الشكر . إن الدرس الذي تعطيه هذه الآية في مكافحة عبادة الشخصية وتقديس الفرد هو أبلغ وأفضل درس لجميع المسلمين في جميع العصور والأزمنة ، فعليهم جميعا أن يتعلموا من القرآن أن لا يربطوا القضايا الإستراتيجية والأهداف العليا والمصيرية بالأشخاص ، بل لابد أن يلتفوا حول الأسس والمبادئ الخالدة التي لا تفنى ولا تتغير ، ولا تتأثر بتغير الأشخاص أو غيابهم عن الساحة بسبب الموت أو القتل حتى لو كان ذلك هو النبي الأكرم ، لكيلا تتوقف عجلة المسيرة عن الحركة ، ولا يتعطل دولاب العمل عن الدوران ، بل إن ذلك هو رمز الخلود في أي مبدأ وحركة أساسا .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 720 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي